سليمان محمود
ما عاد بانش يجلس عند حافة الصخرة كأنها حدُّ العالم الأخير. صار في جلسته تلكَ شيءٌ أقلُّ انكساراً مما كان في البدايات.. شيءٌ يُشبِه من سقطَ، وسقطَ، وسقطَ، حتى تعلّم أن الأرضَ ليست عدواً دائماً، ولا تدعو للخوف. أو ربما لم تكن عدواً لأحدٍ يوماً، إنما ذلك محضُ اعتقادٍ ليس إلَّا.
لم يحدث هذا التحوّل دفعةً واحدةً؛ فالتحولات الكبرى لا تأتي على صهوة الضجيجٍ، ولا محمَّلة في زوبعات ترابيةٍ مرعبة. لم يحصل ذلك في أي تحوُّلٍ كبيرٍ. هي كالموت، تزحف زحفاً خفيفاً في جسمٍ ألِفَ الحياةَ، دون أن يشعر بها.
في صباحٍ رماديٍّ، اقترب منه صغيرٌ من القطيع. لم تدفعه للاقتراب شجاعةٌ، أو طاقةٌ قياديةٌ مغامرة. كل ما في الأمر أنه كان فقط جاهلاً بقوانين الإقصاء التي يخضع لها قطيعُ القرَدة. جلس على مسافةٍ قصيرة، ونظر إلى الدمية البرتقالية بين ذراعيْ بانش. لم يشدَّها، ولم يحاول انتزاعها. اكتفى فقط بالنظر.
في تلك اللحظة، شعر بانش بشيءٍ داخله يرتجف. كان ذلك وقعَ ارتباكٍ أمام احتمالٍ جديد. أخيراً هناك من يراه، دون أن يسلُبَ منه شيئاً. لم يشعر بالخوف. ترك الصغيرُ الدميةَ بينهما، كأنها رايةُ سلامٍ موضوعةٌ على أرضٍ طال نزاعُها، وملأتْ غبارَها صراخاتُ الرفضِ والعنف.
بعد هُنَيْهة، بدأ الصغيرُ يمُدُّ إصبعه ببطءٍ، حتى لمس القُماش، ثم سحب يده. كلُّ شيءٍ هادئ، ولم يحدث ما يثيرُ الريبةَ، أو التوترَ وعدمَ الأمان. لم تنشقّ الأرضُ، ولم ينقضّ القطيعُ. وكان هذا كافياً ليبدأ صدْعٌ صغيرٌ في جدار العزلة التي لطالَما أحس بها بانش.
وتلك اللحظة كانت فارقاً كبيرا، فلم يعد بانش هامشاً خالصاً، بدا كما لو صار عتبة؛ فلا هو خارج البيت، ولا داخله، كما هو شأن العتبات كلِّها التي تُتِيحُ العبور.
في الجهة الأخرى من الحديقة، كان هناك رجلٌ اسمه "يَانَّاسُ". شاب ضريفٌ، لم يكن من أولئك الذين يقومون بعملهم بهدوءٍ، ويبثون الطمأنينةَ بطباعهم الهادئة. شابٌّ طيبٌ لا يبحث عن إثبات شيءٍ أبداً. يمشي بخطواتٍ خفيفة، كأنه يخشى أن يوقظ شيئاً نائماً في داخله. حتى كلماته، في بيته، تمشي على أطراف أصابعها أيضاً. أما زوجتُه، فتتحدث إليه كمن يتْلُو نصّاً محفوظاً، تنتقي كلماته بعناية، وترددها في نفسها مرات قبل أن تسمِعَها زوجَها، وتُصَفِّفُها تصفيفَ الشَّعرِ في صالون محترف.
ابنُه أيضاً ينظر إليه بعينٍ نصفِ مغلقةٍ، كأن الأبَ فكرةٌ تنمتي لعصرٍ قديمٍ لا يصلُح للبقاء. وحتى أختُه التي يحبُّها كما يحب المرءُ نصف قلبِه، انقطعت عنه بعد خصامٍ تافهٍ تضخّم بالصمتِ.
كان يَانَّاسُ يحمل حباً كثيراً بين أضْلُعِه، لكن الحب حين لا يجد لغةً، يتحوّل إلى عبءٍ أثقلَ من الجبال.
في إحدى نوبات عمله، وقف أمام قفص بانش، بعد أن غادر الزوار. لم يكن ينظر إلى قردٍ يحتضن دمية، أكثر مما يرى كائناً يتشبّثُ بشيءٍ كي لا يتفكك. جلس القرفصاء، حتى صار وجهه في مستوى عيني بانش، ثم قال بصوتٍ منخفض، لا ينتظر له فهماً:
- [أعرف هذا النوع من الوحدة].
لم يكن بإمكان بانش أن يفهم الكلمات، لكنه شعر بنبرتها. والنبرةُ أصدق من المعجم عادةً.
في الأيام التالية، صار يَانَّاسُ يمرُّ في الوقت ذاته تقريباً. يجلس قليلاً، ويصمت طويلاً. صمتُه مختلفٌ عن صمت الزوار.. صمتٌ لا يحدّق، ولا يطلب عرضاً.. صمتٌ يجاوِر قرداً صغيراً غارقاً في الوحدة.
وببطءٍ، بدأ بانش يقترب حين يراه، دونما حذَرٍ. لكنه كان في الأول اقتراباً يشبه اختبار الماء بطرف القدم. شيئاً فشيئاً، حدث ما لم يكن في الحسبان. يَانَّاسُ الذي كان يعود إلى بيته مثقلاً، باتَ يعود وفي صدرِه مسافةٌ أقلُّ ضيقاً.
جلس يوماً إلى جوار ابنه. لم يكن يُحصي له أخطاءَه، أو يصحِّحُها له، أو يلومه عليها. بل جلس إليه ليسأله عمّا يحبُّ. وحين تتحدث زوجته، كان ينظر إليها نظرات من يُجيد فنَّ الإصغاء. لا تشعر في نظراته أبداً أيَّ استعداد للهجوم والرد، فقد أصبحت نظراته إليها تبعث في نفسِها الأمانَ.
لم ينس أن يكتب لأخته رسالةً قصيرةً، بعد سنواتٍ من الكبرياء اليابس. كتب لها في أول رسالة صلحٍ، ببساطة مطروزة بالصدق:
- [أشتاق إليكِ، ولا أعرف كيف أقول ذلك دون أن أرتبك].
لم يكن بانش يعلم أنه شريكٌ في هذا الترميم.
لكنه كان كذلك. كلما تسلّق صخرةً، وسقط، ثم نهض، كان يَانَّاسُ يرى في هذا المشهد المتكرِّرِ درساً بسيطاً، خلاصتُه:
- [السقوطُ إصرارٌ، والانكسارُ لا ينفي القدرةَ على الوقوف، وإن سقطنا مرة أخرى].
بانش تغيّر هو أيضاً. لم يعد يحتضن الدمية كما يحتضن الغريقُ خشبة نجاة. صار الآنَ يحملها كما يحمل المرءُ ذكرى عزيزة، دون أن يخنقَها خوفُ الفقد.
بعض أفراد القطيع صاروا هم أيضاً يقتربون منه أكثر. أنثى جلست يوماً إلى جواره في دائرة الدفء. أمُّه كذلك حضنته ذات مساءٍ، والحديقة مكتظةٌ بالزوار، يصورون هذا الصلح، ويبحثون به عن رفع نسب المشاهدة على محتوياتهم الرقمية. صار الحب والعطف مادةً صالحة للمشاركة، وحصد التفاعل.
رغم أن بانش لم يدخل المركز، لكنه لم يعد خارج الصورة، وأدرك، بطريقته الخاصة، أن الانتماء لا يُمكن انتزاعه بالقوة، ولا استجداؤه بالبكاء. أدرك أخيراً أن الانتماء يُبنى بثباتٍ هادئ على ماهيتك، وبأن تبقى كما أنت، دون أن تعتذر عن وجودك.
في مساءٍ بارد، جلس يَانَّاسُ أمامه كعادته. لم يقل شيئاً هذه المرة. ينظر وحسبُ، وكان في عينيْه امتنانٌ غامضٌ.. امتنانٌ لكائنٍ صغيرٍ لم يعطه نصيحة، ولم يربّت على كتفه، لكنه علّمه أن الهشاشة تستطيع أن تتحول إلى جسر حبٍّ مُتدفِّقٍ، حينما نبني على دروسِها تُروسَ شخصيتنا.
اقترب منه بانش، ووضع الدمية على الأرض للحظة،ثم نظر إليه طويلاً. وصعد على رجليه، ثم عبر ظهره، ليصل إلى عنقه، وهناك وضع يديْه الصغيرتيْن حوله، وحنا برأسه على ذقنه، وعانقه بسكينةٍ.
ابتسم يَانَّاسُ، ووضع يده بحنان على ظهر بانش. لم يكن بينهما وعد، ولا عهد. اعترف كل واحد منهما بالآخر اعترافاً صامتاً بأنَّ المكسورين بطرقٍ مختلفة، قد يكونون لبعضهم مساحةَ نجاةٍ قد لا تحمل اسماً معترفاً به، لكنها تكفي كي يكملوا طريقهم في الحياة بأملٍ لا تنطفئ جذوتُه.
|
|