سليمان محمود                                      

لا أحد تعنيه اللحظةُ التي سقطتُ فيها من رحمها. وُلدتُ في السادس والعشرين من يوليوز، كما دوَّنَتْه إدارةُ الحديقة في وثائقِها. لكنني أعرف أنني وُلدتُ مرتين: مرةً حين خرجتُ إلى الضوء، ومرةً حين لم تعدْ تنظر إليّ.

 

كانت تبتعد عني بعينيها قبل أن تبتعد بجسدها، وكأنني خطأٌ صغيرٌ في حساب الغريزة. أو ربما لأنني تجربتها الأولى في المخاض، فانتقمتْ من عذاباته. أو لعل الطبيعةَ، تلك الأمَّ الكبرى، ارتبكت لحظةً، وقالت:

- [هذا… ليس لي].

اقتربتُ من ظلّها، فأدارت ظهرها. اقتربتُ من القطيع، فاندفعتِ الأجسادُ تدفعني أرضاً، تركُلني، وترميني بتمار الأشجار، وأغصانها. كلما حاولتُ أن أكون جزءاً من دائرة الدفء، تحوّلتُ إلى حجرٍ مقذوفٍ خارجها.

 

في البداية، ظننتُ أن الأرض هي التي تخونني. لم أفهم أن السقوط يمكن أن يكون جماعياً هكذا، وأنك قد تُقصى لأنك زائد، دون أن يكون سبب ذلك نقصٌ فيك.

 

كنتُ أنام وحدي، وأقضي تلك اللياليَ الطِّوالَ في القفص، والبرد لا يرحم من لا يملك كتفاً يسنُدُه. ثم جاءت هي. يدٌ بشريةٌ وضعت بين يديّ قرداً من قماش، برتقالياً، مبتسماً… مبتسماً على نحوٍ مُريبٍ ولذيذٍ. يبتسم ابتسامة لا تسقط أبداً.

حمَلتُه أولَّ مرة بحذر. شممتُه. انتظرتُه أن يرفضَني. لكنه لم يفعل. كان أثقلَ مني، إلا أنه لم يكن أثقل من نفسي.

 

صرتُ أجرُّه خلفي. وفي الحقيقة، لم أكن أعرف إن كنتُ أجرُّه، أم كنتُ أجرُّ ما تبقّى مني.

 

كلما تسلّقتُ صخرةً، رفعتُه معي. وكلما سقطتُ، سقط بصمت، معلناً كتمَ ما لا يعرفه غيرُه من حزني. لا يتأوَّه، ولا ينبِس ببنتِ شفَةٍ. لم يدفعني لحظةً. لم يبتعد. لم يرفُضني. بل إنه لم يرمُقني بنظرات نفورٍ أبداً منذ أول لقاء بيننا.

 

حين يغلِبُني النعاسُ، أدفِنُ وجهي في صدرِه القُماشي. لا أسمع نبضاً في قلبه. لكنه، مهما كان الحال، لا يغادر.

 

أحياناً أتخيله يتكلّم دون أن يقول شيئاً محدداً. ولكن يكفيني أنه لا يقول: [ابتعد].

 

الآخرون يراقبُونني من خلفِ الزجاج والشبابيك. عيونٌ كثيرة، وأصابعُ تشيرُ، وهواتفُ تلمعُ. ضحكات الكبار، وصراخ الصغار. ضجيجٌ مخيفٌ. يبتسمون لي، ويبكون أحياناً. لا أعرف لماذا. ولكنهم يفعلون.

 

كان كل ما أريده هو دفءٌ لا ينسحب فجأة. ولعل هذا ما جعلني قصةً يتناقلها الجميع في وسائط التواصل الاجتماعي. صرتُ "بْرَانْداً" عالمياً، كما كان "عْسيلةُ" والبطريقُ المتجهُ نحو الجبل من قبلي. حرّكتُ القلوب، دون أن أسعى إلى ذلك. لكن لا أحد منهم يعرفُ أنني لم أكن أحرّك شيئاً، سوى صديقتي الدميةِ التي أجُرُّ من خلالها وحدتي.

 

كنتُ فقط أتمسّكُ. الدمية تبتسم دائماً، وأنا أتعلّم منها أن الابتسامة، في كثير من الأحوال، قد تكون دِرعاً، وأن قُماشَها ربما هو أحنّ من اللحم.

 

حين يدفعني أحدهم أرضاً، أو ترعبُني أصوات قادمةٌ من زوار الحديقة، أضمُّها بقوة إليَّ، كأنني أقول للعالم:

 

- [إن كنتم لا تريدونني، فأنا أملك ما يكفيني لأبقى].

 

بتُّ أعرف طعم الوحدة، وشكل الاحتضان. ربما لن تعيدني أمي إليها. ربما لن يتّسع لي القطيع. لكنني، في هذا الركن المتشقق من الأرض، صنعتُ دائرةً صغيرة من القماش، وأعلنتها وطناً.

 

منذ البداية وأنا أحكي لكم حكايتي، وربما لم تدركوا بعدُ من أكون. أنا "بانش"، قرد مكاك ياباني. لستُ بطلاً، ولا رمزاً. أنا مجرد قرد.. مجردُ كائنٍ صغيرٍ لم يجد قلباً حياً، فاختضن قلباً لا يخونُه إلا إذا خُطِفَ منه.