جديد انفو ـ النيف /متابعة
كان يطوف أزقة الدوار الضيقة، يعرف حجارة الجدران كما يعرف أسماء أهلها. يضرب على طبله بإيقاع مخصوص، لا هو بالعنيف ولا هو بالخفيف، إيقاع يسميه أهل القصر "تقزداموت" أو " بوقزدير"، ذلك الموروث الذي لا يكتب في الكتب، بل يحفظ في الصدور.
"تقزداموت" لم تكن مجرد ضربات طبل، كانت وعدا بالبركة، وتنبيها رفيقا بأن وقت السحور قد أقبل.
وكنت ترى النوافذ تفتح قليلا، وأضواء الشموع واللامبا الخافتة تشتعل هنا وهناك، وأمهات يهمسن:
"ها هو عمي حا مر من هنا… قوموا يا أولاد"، "هان عمي حا يزري أيشران ...نكرات اتسحرم".
كان صوته يسبق الطبل أحيانا، يردد عبارات قصيرة، فيها دعاء، وفيها رجاء، وفيها شيء من حنين لا يفسر. لم يكن يأخذ أجرا عن عمله هذا، وإنما دعوة صادقة تقال في ظهر الغيب. وكان يبتسم لذلك كله، كأنما نال كنوز الأرض.
ومع مرور الأعوام، صار رمضان لا يتصوّر بلا خطاه. الأطفال كانوا ينتظرونه ليروا ظله الطويل تحت ضوء القمر بين زقاق القصر، والشيوخ كانوا يطمئنون حين يسمعون إيقاع طبله، كأن الليل صار مأمونا ما دام عمي حا يجوب الدوار.
ثم جاء ذلك الرمضان الذي غاب فيه الصوت.
استيقظ الناس على منبهات الصوتية والهواتف، باردة، بلا روح. لا طبل يدق، لا دعاء ينساب بين الأزقة، لا ظل يمر تحت القمر. ساد صمت ثقيل، وكأن القصر نفسه فقد شيئا من روحه.
عمي حا منذ أن رحل إلى دار البقاء الذي مر على وفاته أزيد من ثلاث عقود، رحل معه "بوقزدير".
منذ وفاته، لم يجرؤ أحد أن يحمل الطبل مكانه. ليس عجزا عن الضرب، بل لأن الأمر لم يكن مجرد إيقاع. كان قلبا يمشي في الليل. كان إخلاصا لا يصطنع. كان عادة صغيرة، لكنها كانت تشد الناس بعضهم إلى بعض بخيط خفي من المودة.
اليوم، كلما أقبل رمضان، يتذكر أهل قصر أكديم ذلك الرجل البسيط الذي كان يوقظهم للسحور، فيوقظ معهم شيئا أجمل: روح الجماعة، ودفء الجيرة، وبركة السحر.
ويقول بعضهم في حسرة:
"اكيرحم ربي ا عمي حا… تديت تدو تقزداموت."
لكن لعلها لم تمت تماما.
لعلها ما زالت تعيش في ذاكرة من سمع الطبل يوما، وفي دعوة صادقة تخرج كل رمضان من قلب عرف فضل رجل بسيط، كان يمشي في عتمة الليل… ليوقظ النور في بيوت الآخرين.
|
|