زايد جرو ـ الريصاني /جديد انفو
تظلّ اللمة الجماعية في القصور والقصبات بالجنوب الشرقي المغربي بمناسبة عيد الأضحى من أجمل الصور الإنسانية التي تختزنها الذاكرة الشعبية، فصورة اليوم الأربعاء 27 ماي ليست مجرد تجمع عائلي عابر، بل طقس اجتماعي وثقافي يحمل معاني المحبة والتآزر والانتماء كما هو الشأن في مناطق أخرى بتافيلالت والرشيدية ومرزوكة حيث تكتسب اللمة طابعاً خاصاً يرتبط بالمكان والإنسان والتاريخ، وتتحول القصبات والقصور إلى فضاءات نابضة بالحياة كلما عاد الأبناء والأحفاد إلى الجذور.
فالحنين للعودة يظل شعوراً يسكن أبناء هذه المناطق، خاصة أولئك الذين أبعدتهم ظروف العمل أو الدراسة عن موطنهم الأصلي. وما إن تقترب المناسبات الدينية أو العائلية حتى يبدأ الشوق إلى “الدار الكبيرة” وباي القصر والسقيقة والمُصلى حيث دفء صلة الرحم، ورائحة الخبز التقليدي، وأصوات الأهل في الساحات والدروب الطينية القديمة. هناك يشعر الإنسان بأنه يستعيد جزءاً من ذاته، وكأن العودة إلى القصر أو القصبة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل عودة إلى الطمأنينة والهوية. فاللمة تمنح الفرد إحساساً بالأمان والانتماء، وتعيد إحياء قيم التضامن والتكافل التي طالما ميزت المجتمع الواحي.
ويرتبط هذا الحنين ارتباطاً وثيقاً بالمكان باعتباره ذاكرة جماعية تحفظ تفاصيل الحياة اليومية للأجيال المتعاقبة، فالقصور والقصبات ليست مجرد بنايات طينية عتيقة، بل سجل حيّ لذاكرة الناس، تحفظ أفراحهم وأحزانهم، وتحكي قصص الآباء والأجداد. فكل درب يحمل حكاية، وكل باب خشبي عتيق يروي جزءاً من تاريخ العائلة والجماعة. لذلك يظل الإنسان متعلقاً بمكان نشأته مهما ابتعد، لأن المكان في الوجدان ليس 'طوبا ' وطيناً فقط، بل هو ذاكرة وروح وعلاقات إنسانية عميقة.
كما أن اللمة الجماعية تبقى موشومة على مر الأزمنة، لأنها تترك أثراً لا يمحوه الزمن, فصور التجمع حول موائد الطعام، والسمر الليلي تحت ضوء القمر، وتبادل الحكايات والأمثال الشعبية، تبقى راسخة في الذاكرة حتى بعد مرور السنين، وقد تتغير أنماط الحياة وتتسارع وتيرة العصر، لكن قيمة اللمة تظل ثابتة، لأنها تمثل جوهر العلاقات الإنسانية الصادقة. ومن هنا تبرز أهمية الحفاظ على هذا الموروث الاجتماعي والثقافي، وتشجيع الأجيال الجديدة على التشبث به، حتى تبقى القصور والقصبات فضاءات للحياة والدفء الإنساني، لا مجرد معالم أثرية صامتة.
إن اللمة الجماعية في الجنوب الشرقي المغربي تعبير صادق عن قوة الروابط العائلية وعمق الانتماء للمكان، فهي ذاكرة جماعية تحفظها القلوب قبل الجدران، ووشم إنساني جميل يبقى حاضراً مهما تغيرت الأزمنة وتعاقبت الأجيال.
|
|