
زايد جرو - الرشيدية / جديد انفو
حل رمضان وحلت معه الصلوات والتبريكات والدعوات بالزيادة ، حقا هو شهر العبادة والغفران والشهر الأول من السنة الأولى من تقاعد الاستاذ " عبد الحكيم " بعد أن تسلم ورقة ادارية وبطريقة غير مؤدبة تخبره بأن مهامه انتهت وتم حذف اسمه من لوائح العاملين الفاعلين بوزارته ، لم يستسغ العبارة وهو رجل القيم الذي علّم الأقوام من الأطباء والمهندسين ورجال السلطة والأعيان وكوادر الدولة علمهم العفة وكيف ينطقون أدبا وحكمة، وكيف يحولون التراكيب لصيغ المثنى والجمع بأنواعهما ، ولم يعلمهم أبدا تحويل أموال غيرهم لجيوبهم ، قرأ العبارة مرارا طأطأ راسه وانحنى منكسرا، وساءل نفسه أهي نهاية الأبطال الفرسان ،وهو الذي لم تخفه "هاروات المخزن " في الشوارع ولا في الجامعات ايام النضال وصراع القواعد مع القوى الظلامية أنذاك، لام النفس وعاتب الدهر وأغمض جفنيه على الدمع ، ونام قليلا عله يستريح ويشحن بطاريته بشحنات قوية اخرى مختلفة رغم كيد الدهر والزمان.
شمت في الاقران القدامى منهم والجدد على اختيار مهنة بيع الحروف ، وزاد كرهه للمهنة التي محا المسؤولون فيها كل اعتراف ولو نفاقا ، فود لو عاد الزمان القهقرى قليلا او كثيرا ليرتب الأوراق ليستعد لهذه اللحظة التي بدا فيها كالجواد دون فارس والمحارب دون سلاح ، هز الوقفة وبدأ التجوال في بيوت المنزل التي بالكاد بناها بالاقتراض رغم حرام فوائد الربا كما يقول الفقهاء حين يحلو لهم الكلام ،طاف بالمطبخ فوجد زينب تعجن وتطبخ وتلوي "الملوي" ولوت عنقها نحوه وتأففت وبدأت زفتها كالعادة بالقول " ها هو عاوتني جاي " هي ايضا كالوزارة رغبت لو تم التشطيب عليه من قطار الحياة، وتحرق الورقة التي ركب بها ذاك القطار لتنوب عنه في كل شيء في قيادة السيارة وركوب الطريق والوقوف خلف الرجال بجانب الشوباك الاتوماتيكي منتظرة دورها في سحب نقود المتقاعد المتوفى وكأنها هي التي حصدت الشواهد وارهقت العين وسمعت من الكلام ما فتق السمع وباتت على الحصير وأضاءت الدفاتر ب"اللمبات "والشموع ،وأكلت من العدس بالحي الجامعي ما أوجع الأمعاء الرقيقة ،وكم تذكر قول احد الحكماء وهو ممد بجانبها كهيكل نخلة نخرة "يبرقق" بعينيه في الظلام وهي في الشخير مسافرة بشتى الأصوات والنغمات وليست من هذا العالم، تذكر عبارة الفيلسوف عندما سألوه بعد عمر مديد ما الزواج أجاب دون تفكير : " الزواج هي الحرب الوحيدة التي تنام فيها بجانب عدوك وتعانقه من حين لآخر"
أكمل تجواله بالبيوت فدخل غرف ابنائه وابنته والكل مشغول بهاتفه يحفر فيه، وبالكاد يردون السلام ،الصمت عم ارجاء البيت الا مشيته التي تزعجهم جميعا ب"مشايته السوداء" ، فبدا له من خلال العشرة الطويلة ان هناك شبه اتفاق بينهم على ان يبقى نائما على كل شيء لأن نوم الظالم عبادة كما تردد بالجهر والعلن امهم زينب غفر الله لها في الدنيا اما في الاخرة طبعا فلن تكون زوجة له وسيختار من الحور ما تطيب به النفس وينشرح له الصدر، اما هي فربما تكون زوجة لآل كفار قريش الذين جحدوا فضل النبي وفضل الرسالة...تحرك بصوت صامت تذكر امه التي كانت الوسادة ولم يستطع ان يضعها في الكفة مع زوجته للمقارنة ، كم كانت طيبة وودودة تغسل جسده النحيل كل اسبوع وهو عاريا ويقبل رأسها وقدميها لا طمعا في الجنة بل امتنانا واعترافا ببعض تعبها فقد ماتت التي كان الله يكرمه من أجلها وكل ليلة لا تغيب عنه ولم يدر ما طيب العناق في هذا الشهر الكريم، أهي النهاية ام بداية الدخول في عالم الفوضى والمجهول.. جلس قبالة التلفاز تسلم الة التحكم تنقل بين القنوات بغير هدى، شم رائحة في المطبخ فقفز وبدأ في اللوم والعتاب والتقريع على الزوجة التي أخذ هاتفها معظم وقتها حتى جفت واحترقت" حريرة المغرب "ولم تنبس بكلمة خوفا من زفته،لامها كثيرا وعاتب الأبناء فسمع المؤذن فخرج لصلاة المغرب ليعود لإشعال فتيل الكلام .
فكر في مغادرة البيت كما فعل جاره السابق " يوسف " الذي تقاعد وترك الجمل للجَمّال فلم يرغب في التطليق وابناؤه في عمر الرجال بل رغب في ان ينجو بجلده ويعيش بعض الحرية لما تبقى من العمر لكن حقا كان رجلا سخيا ولم يترك الزوجة على الكفاف فترك اوراق "الشيك " لها باسم كل شهر وترك هاتفه واخذ بعض ملابسه ولم ينس بعضا من كتبه التي احتفظ بها منذ عهد ظهر المهراز بفاس حيث حن بها لعائشة ام البنين ،وفَضْمة "الكحلة " صاحبة الضفيرة الطويلة،وابراهيم الافريقي ونادية العرجاء ،ولمارسيل خليفة ومحمود درويش والشيخ إمَام صاحب الامراء والسلاطين والفقراء المحرومين والسنة والفرض وقعبور وسعيد المغربي... إنه الزمن الجميل طبعا تراجع "عبد الحكيم " عن فكرة الهجرة في رمضان وربما تعود "النغزة " من جديد لاحقا حين يستعصي الصلح والتصالح وحين تتكرر عبارتها المألوفة: " انت اللحظة حيوان استهلاكي لا غير وانسان " بيريمي "انتهت مدة صلاحيتك كما فعلت الوزارة بدورها ايضا".
عاود التفكير عميقا ما الذي أشعل فيه الغضب فلم يجد جوابا الا من خلال الورقة التي توصل بها من وزارته وحفظها عن ظهر قلب ،"لقد تم حذف اسمكم " ،فبجرة قلم احرقوا حياة ممددة من العطاء ....وبين المغرب والعشاء شده الحنين للماضي ولخطيبته في السابق زينب الزوجة الحالية فعانقها عناقا حتى طقطقت مفاصلها واستغربت من الفعل ،وتذكرت الذي مضى ولم يمض ،وطاف بالغرف من جديد عانق ابناءه واحدا واحدا ، وجمعهم بجانبه وهو يتوسطهم بالقول : "احبكم جميعا والله شاهد اني لم اخن رسالتي ذات يوم ،ولم اكن بالأب المبذر ولا بالأب الجاحد ،فأطلب عفوكم وصفحكم ،وان ايامي معدودة ولم ارد ان تنكروا جميلي كما تنكر له مشغلي ، بكى الجميع للكلام وهدأ الاب قليلا حينما رأى دموع الجميع تنهمر، فقال لو سقينا شجر العنب بدم العلقم فلن نجني من عطائه غير العنب ولو سقينا شجر التين بماء الحنظل فلن نجني منه غير التين ، لكن لو سقينا الانسان بكوثر دمنا فلن نجني منه غير التجاهل والنسيان ، نام بجانه زوجته زينب وكم مرة كان ينام بعيدا عنها كبرا وتكبرا ولأول مرة احس بأن الحبيبة العدوة بجانبه لم تنم ربما احست بانها في الأيام القليلة المقبلة ستصبح ارملة فعانقته عناقا خارا وناما معا نوما عميقا.
إضاءة
كل تشابه في الاسماء او الصفات فذاك مجرد صدفة.