
زايد جرو – الرشيدية / جديد انفو
كل قصور تافيلالت تحمل إرثا ثقافيا مشتركا، به يحلو الكلام وبه يطيب المقام حين تجتمع الوجوه وتلتقي الأنظار ويعم دفء المشاعر على جنبات الخِوان ،فيجري القول بعيدا عن اللوم والعتاب ،وكل ينتظر الدور للبوح بما يضج به الخاطر،وما تختزنه الذاكرة من إرث مشترك بين فئات عمرية متقاربة.
حديث "شيوخ القبيلة " بباب القصور أو بمدخل السقيفة لا دخل للصغار فيه، لأنه خاص بالكبار وخاص جدا احتراما للتراتبية العمرية، واحتراما للمكانة ولذوي القرار ،وقد يتسرب بعض الكلام من حديث الرجال الأكابر لمجمع النساء بالبيوت حين يحلو حديث الآباء مع الأمهات انفرادا ،وهو العالم الذي لا نعرف عنه لا القليل ولا الكثير، حتى تلد لك أمك ،أو زوجة ابيك الام الثانية أخا او أختا ،ولا يمر على الزمن الا القليل حتى تلد احداهما من جديد ،وتُغمض عينيك بعض الوقت وتغفو قليلا وتجد الدار مزدحمة و"تنغل " ب "لادامي " من الذكور والإناث من مختلف الأعمار والأحجام والقامات ،وعدد الممددين على الحصير بدون "وِسادات " قد وصل السبعة او الثمانية أو أكثر ،وما هي إلا أعوام قليلة حتى تجد إخوانك قد سنوا طريق أبيك في الإنجاب والتكاثر ، فيعلو اللغط ويصعب ان تضبط اسماء كل اهل البيت ،ويدوخ الأب وتدوخ الأم في البحث عن اسمك الضائع ورقمك التراتبي حين تود نداءك فيعلو لغطها عاليا : وا لحسن ،وا حماد ،وا موح ،وا يوسف ، وا امبارك ،وا ابراهيم ،وا امحمد ، وا لَبْعَرْ.. ولا تصل اسمك الا بعد ان تكون قد نادت اسماء سبعة او ثمانية على الأقل.
قد جرنا الحديث عن قديم القديم، ونسينا "حَلْباس" الشخص الأسطورة الذي أضفى عليه كل قصر من قصور تافيلالت مواصفات خاصة ، ويرجع زمن "حَلْباس " إلى بداية السبعينيات أو قبله بقليل، وحسب ما علِق بالذاكرة فهو رجل قوي ،عريض ، بجلباب واسع، وبوجه ملثم ، يلج البيوت ليلا ولو كانت مغلقه حيث ينفلت من الشقوق رغم ضخامة بدنه ، ويتسلل للغرف التي كانت غير مزودة بالضوء ويمد يديه الخشنتين ويمررهما على اي مكان يشتهي من أجساد الممدَّدِين ، يُحلِبس أجساد النساء في الأماكن الحساسة خاصة أعلى الصدر بحثا عن" اللويز" المصفف المُدلى على الصدر الذي اشتهرت بشرائه ' عيالات فيلالة " او يمررها على العنق بحثا عن " لْويزْ "المعقود بإحكام على ذاك العنق المستور حسب الروايات، والنساء الممددات لا تستطعن المقاومة خوفا وذعرا ،ويقضي حوائجه بالكتمان دون ان تنبس النساء بكلمة واحدة ،وحين يتحسس أجساد الرجال يحلبس الجيوب وينظفها من النقود وينصرف خلسة وقد تسمع أزيز الباب بريح ثيابه اثناء خروجه وإياك والحركة ان رغبت السلامة .
وحسب بعض الروايات ف" حلباس" هو رجل حقيقي في صورة امرأة يرتدي لباس النساء ،ويختبئ بغابة الزيتون بالرشيدية بالمحيط وازمور وتاركة،ولا علاقة له بشخصية " بودراع " فتلك قصة اخرى وكلما رأى حلباس امرأة يخرج بغتة ملفعا ب "إزار "أسود وملثم الوجه ، ويُحلبس أعناق النساء ويسلبهن حِليهن ،ويختفي حتى يوم آخر فانتشر خبره في كل نواحي تافيلالت ،فذعرت النساء من الفعل فلا تستطعن التسوق ولا الخروج عن عتبة البيت خوفا من حلباس وقد اضفت عليه الرواية طابع اللصوصية .
ومن الناس من ربط حلباس بزمن الحماية وهو شخصية تزور البيوت ليلا لتتلصص على احاديث الاسر ،وتنقل اسرارها للمقيم الفرنسي ، ليعذب المقاومين بتفنن ، بناء على ما نقله له حلباس الليل من أخبار المنازل سواء كانت صحيحة او مزيفة.
كل الحكايات التي رواها الناس عن حلباس ارتبطت بهاجس الخوف ،وجمعها الغرائبي والعجائبي التي أضفاها المخيال الشعبي على هذه الشخصية الخيالية التي أدخلت الرعب في قلوب الكبار والصغار دون ان يراه أحد ،وقد يكتسي حلباس رموزا عديدة حسب المقام وقد صغّرت الامهات الاسم فتخاطبن أطفالهن وطفلاتهن ب ' لَحْلِبسين و لَحْليبسات " لكثرة التصاقهم والتصاقهن بهن بالليل والنهار .
فالذي يسترعي الانتباه في حكاية "حلباس "هو القول الغريب في المتن، حيث يخرج الكلام عن مخرج العادة المألوفة في المخيال الشعبي بقصور تافيلالت ، فالتعابير الغريبة التي تستوردها العامة من مكان بعيد في الزمان او المكان وتقطع المسافات الطوال ثم تستقر في مكان ليس من عادتها ان تستقر فيه فإنها تخلق على الدوام الشعور بالدهشة ،خلاف الأجيال الحالية التي لم تعرف "حلباس " ولم تعش زمن انتشار أخباره، فقد لا يثير فيها الاسم اي اهتمام حيث قلبت ترتيب حروف حلباس بالقول " بلْحاس "أو " بلحاسة " فربطت الاسم المتولد الجديد بالاستعمال اللغوي المشاع حاليا بالتزلف والتقرب لقضاء الحاجات وهي طريقة عيش جديدة في الحياة ، بها تقضى المآرب ،وبها تفتح المستغلقات ... نجانا الله واياكم من حَلبَاس ومن " المُحلبسين "والمُحلبسات " ومن" البلْحاسين والبلْحاسات " ونجانا وإياكم من قوالبهم وقوالبهن ما ظهر منها ومن بطن.