
صحيح أن العامل السابق كان معروفا بتواضعه وحسن أخلاقه، وصحيح أن مكتبه كان مفتوحا في كل لحظة وحين أمام جميع المواطنين، فغير بذلك تلك الصورة النمطية المألوفة عن رجال السلطة، لكن الرجل لم يقم في آخر المطاف إلا بواجبه وبما يفرضه عليه روح الدستور الجديد. وإذا كان عامة المواطنين "معذورون" في مسايرة الرأي العام السائد، بعدما جعلتهم سنوات القهر والتهميش يرون القيام بالواجب عطاء ومنة، فإن إجماع الكثير من السياسيين والجمعويين والإعلاميين في تنغير على أن تقاعد الرجل كان خسارة للإقليم، وإجهاش العديد منهم بالبكاء في حفل التنصيب، يفرض علينا أن نتساءل بكل موضوعية عن منجزات الرجل الفعلية على أرض الواقع، والمشاريع التي شهدها الإقليم في عهده، والتساؤل أيضا حول ما إذا كانت تنغير قد حظيت في عهده بشيء لم يتوفر لغيرها من الأقاليم.
إن تعيين العامل السابق لم يكن مجرد صدفة ولا حركة انتقالية عادية في صفوف رجال السلطة، بل جاء في ظل دستور جديد، واستجابة لأحداث تاريخية سطرها المجتمع المدني في تنغير، وجعلته يقف بشكل قوي ضد كل أشكال التهميش والإقصاء، ولأن ذاكرة البعض ضعيفة أو يستصغرون أمورا وأحداثا تحمل دلالات كبيرة، فلا بأس بأن نذكرهم بأن تنغير قد شهدت يوم 26 دجنبر 2010 أولى بوادر الربيع المغربي، عبر مسيرة احتجاجية سلمية فرضت نفسها في ظرفية سياسية صعبة وفي ظل احتقان محلي غير مسبوق بين ممثلي السلطة وممثلي المجتمع المدني. فكان لزاما على وزارة الداخلية مركزيا أن تبحث عن رجل يتقن فن الحوار والإنصات ويترجم على أرض الواقع رسالة العطف المولوية التي حظيت بها تنغير. وهنا نستحضر رجالا أبطالا ناضلوا من أجل أن تكون تنغير عمالة، ثم خاطروا في فترة الاحتقان بحريتهم وقوت أبنائهم لأنهم رفضوا أن تكون العمالة مجرد بناية عليها لافتة.
إن تقييم فترة العامل السابق على رأس إقليم تنغير يجب أن يكون وفق معايير واضحة وملموسة، تستحضر ما تحقق أو بدأ تحقيقه على الأقل في مجالات الصحة والتعليم والفلاحة وتنمية الواحات، وفك العزلة وبناء الطرق ومحاربة الفقر والهشاشة والتنزيل الفعلي لروح المبادرة الوطنية للتنمية البشرية... لقد ودعنا الرجل دون مستشفى إقليمي يليق بنا، ودون العدد الكافي من الأساتذة، ودون تعميم المنحة على أبناء الإقليم، ودون فك العزلة عن تلمي وأوزيغمت وتولاوالت...وما يزال معتصموا "ألبان" في معاناتهم اليومية التي وجدهم فيها، وما تزال الأراضي السلالية قنبلة موقوتة. وإذا كانت بعض أزقة وشوارع المركز قد شهدت تهيئة حضرية، فلأن ذلك تحصيل حاصل، كما أننا لم نصل بعد إلى مستوى كثير من الأقاليم والجهات لا كما ولا كيفا،
إن انفتاح الرجل على الساكنة كان لأنهم يستحقون التقدير والاحترام، ولأنهم سطروا مواقف نضالية جعلتهم جديرين بأن يؤخذوا بعين الاعتبار، وهنا مبعث استغرابنا من انبهار العديد من المواطنين والنخب بسياسة التواصل هاته وكأنها غاية في حد ذاتها أو انجاز لم يكن يخطر على بالهم في الأحلام. كما أن انبهارهم الزائد عن اللزوم بالحضور المكثف للسيد العامل لأنشطة الجمعيات المحلية، لا يجد أي مبرر مقبول، فالعامل موظف سام وحريص على هيبة الدولة وهيبة منصبه، وما كان ليحضر أي نشاط لا يسحق الحضور.. فاعتزوا بأنفسكم يرحمكم الله.