عبد الغني لمرابط - جديد انفو / الرشيدية

في زمن باتت فيه الشفافية شعاراً تتزيّن به الخطابات الرسمية، وتكافؤ الفرص مبدأً يُكرَّس في النصوص القانونية، تشهد جهة درعة تافيلالت ظاهرة آخذة في الاتساع، تُلقي بظلالها الثقيلة على مشهد الإعلام الجهوي وعلى منظومة الطلبيات العمومية في هذا القطاع بالذات، ظاهرة باتت تُعرف في الأوساط الصحفية والإعلامية المحلية بـ"فراقشية الإعلام"، في إحالة صريحة على نموذج الوسيط الطفيلي المعروف في قطاعات أخرى، كفراقشية الماشية وفراقشية المحروقات.

تتحدث مصادر متعددة من داخل الوسط الصحفي بجهة درعة تافيلالت عن نمط متكرر في توزيع صفقات الإنتاج الإعلامي والتغطيات والخدمات المرتبطة بها، إذ تُشير هذه المصادر إلى أن عدداً من الصفقات الجهوية تؤول، بصورة شبه منتظمة، إلى شركات بعينها، في حين تظل مؤسسات إعلامية أخرى تتكبّد عناء المشاركة في المناقصات دون جدوى.

والأكثر إثارةً للتساؤل، وفق ما يتداوله الوسط المهني، هو أن بعض هذه الشركات الفائزة لا تعدو كونها واجهات متجددة لكيانات سابقة، يقف خلفها أشخاص بعينهم، لا يتغير فيها سوى الاسم التجاري واللافتة، فيما يبقى الهيكل الحقيقي وشبكة العلاقات المحركة كما هي. وهو ما يُعبّر عنه المتضررون بعبارة دالة: "تغيير الجلد مع الاحتفاظ بالنفس".

وتزداد الصورة تعقيداً حين تشير بعض الروايات إلى أن عدداً من الفائزين بهذه الصفقات يجمعهم بمسؤولين جهويين قربٌ سياسي أو علاقات شخصية، مما يُلقي بظلال من الريبة على مسار الاختيار، حتى حين يبدو شكلياً مستوفياً للمتطلبات القانونية.

ان ما يُعقّد المشهد أن هذه الصفقات تجري، في معظمها، وفق المساطر القانونية المعمول بها؛ إذ تُنشر في المنصة الإلكترونية الوطنية، وتُستوفى فيها الشروط الشكلية، وتُحترم -في الظاهر- قواعد المنافسة. غير أن ما يُثير القلق الحقيقي ليس الشكل، بل ما يُقال إنه يجري في "المطبخ الخفي" للصفقة: تفصيلُ دفاتر التحملات على مقاس مؤسسات بعينها، وصياغة الشروط التقنية والمالية بطريقة تُقصي المنافسين أو تُثبّط إقبالهم، وهو ما يُعرف تقنياً بـ"هندسة الصفقة".

وفي هذا الصدد، يُشير خبراء في الصفقات العمومية إلى أن أخطر أشكال المحاباة ليست تلك التي تقع خارج القانون، بل تلك التي تُحكم توظيف القانون أداةً لتكريس الإقصاء. فحين يكون دفتر التحملات مُعدّاً بدقة مشبوهة لتُطابق مواصفاتُه إمكانياتِ شركة دون سواها، تغدو المنافسة مسرحاً لا سباقاً.

ليست "فراقشية الإعلام" ظاهرة معزولة، بل هي حلقة في سلسلة أوسع من أشكال الوساطة الطفيلية التي تنخر عدداً من القطاعات الاقتصادية والخدماتية بالجهة. فكما يهيمن الفراقشة على أسواق الماشية ويتحكمون في دورة المحروقات، يبدو أن النموذج ذاته وجد طريقه إلى فضاء الإعلام والاتصال المؤسسي، مع ما يميّزه من خصوصية: فالإعلام ليس سلعة كالأخرى، بل هو صوت العموم ومرآة الشأن العام.

ومن ثمّة، فإن ما يُصيب هذا القطاع من تشوّهات في توزيع الموارد والفرص لا يقتصر ضرره على أصحاب المؤسسات الإعلامية المُقصاة، بل يمتد ليمسّ جودة المنتوج الإعلامي الموجَّه للمواطن الجهوي، ويُضعف استقلالية الإعلام المحلي وقدرته على أداء دوره الرقابي.

إن غاية هذا التقرير ليست الاتهام المباشر لجهة بعينها، ولا استهداف أشخاص بأسمائهم، بل هي طرح أسئلة مشروعة في مجال الحق في المعرفة والشأن العام، وفتح نقاش جدي حول منظومة الصفقات العمومية الإعلامية بالجهة.

لذلك، ندعو الجهات الوصية المعنية، ولا سيما المجلس الجهوي للحسابات لدرعة تافيلالت، وهيئات الرقابة على الصفقات العمومية، إلى:

- فتح تحقيق جدي في ملف صفقات القطاع الإعلامي بالجهة، وكشف حجم التداخل بين الصفقات العمومية والشبكات السياسية والمصالح الخاصة.

- مراجعة آليات سندات الطلب عبر المنصة الإلكترونية، وسدّ الثغرات القانونية التي تُمكّن الفائزين من التنصل من التزاماتهم دون عواقب.

- ضمان تكافؤ الفرص الفعلي لجميع المؤسسات الإعلامية العاملة بجهة درعة تافيلالت، وإتاحة المجال أمام كل الفاعلين للاستفادة من الميزانيات العمومية وفق معايير الجودة والكفاءة، لا معايير القرب والمحسوبية.

- اعتماد الشفافية الكاملة في نشر نتائج الصفقات الإعلامية وتفاصيلها، بما يُمكّن الرأي العام والمنافسين من المراقبة والطعن حين يكون ذلك ضرورياً.

ان ما يجري في كواليس الإعلام الجهوي بدرعة تافيلالت يستحق أكثر من مجرد همس في أروقة الصحافة المحلية؛ يستحق وقفة مسؤولة ومراجعة شجاعة. فالمال العام أمانة، والإعلام رسالة، وحين يلتقيان في سياق مشبوه، فإن الخاسر الأكبر هو المواطن والحقيقة معاً.