جديد انفو - متابعة/ بقلم زكية لعروسي باريس

في الريصاني، لا تمشي الرمال على الأرض فقط، بل تمشي فوق الزمن. هناك، عند تخوم الضوء الأخير، حيث تنام سجلماسة مثل نبية متعبة من حمل القرون، لا تبدو الحجارة حجارة، بل ضلوع ملوك اندثروا وهم يوصون الطين بأسرار القوافل، ويستودعون النخيل أسماءهم قبل أن يبتلعهم الغبار المقدّس للصحراء. أيُّ يد هذه التي امتدت إلى جسد المدينة القديمة بخشونة الإسمنت؟ أيُّ خيال أعمى ظنّ أن الخرسانة تستطيع أن تُرمم ذاكرة شيّدت بالدعاء والملح والطين وموسيقى القوافل القادمة من تمبكتو؟ لقد كانت سجلماسة، منذ أن تنفست أولى شمسها، مدينة لا تبنى فقط، بل ترتَّل. كانت قصورها تنمو مثل آيات طينية، وأسوارها تشبه ظهور الجِمال المتعبة من حمل الذهب الإفريقي إلى المتوسط، وكانت أبوابها الخشبية تحفظ في تجاويفها أنفاس الفقهاء والتجار والعشاق والرحالة.

 

لكننا استفقنا اليوم على صور بدت لكثير من علماء الآثار كأنها مشهد اقتلاع روح من جسدها. صور جعلت القلوب ترتجف كما ترتجف نوافذ القصور القديمة حين تعصف الرياح الشرقية القادمة من تخوم تافيلالت. هناك من رأى في ما يجري ترميما، لكن آخرين رأوا اغتصابا لذاكرة المكان، واعتداء على العبقرية الهادئة للعمارة السجلماسية التي كانت تعرف كيف تقاوم الزمن بالبساطة لا بالعنف، وبالانسجام لا بالاستعراض.

 

لقد كتبنا منذ سنوات عن سوق سجلماسة، وعن القصور النائمة تحت عباءة الرمال، وعن الريصاني التي ليست مجرد مدينة جنوبية، بل كائن أسطوريٌ يعيش بين التاريخ والسراب. الريصاني ليست حجارة متناثرة فوق الأرض؛ إنها عروسة الجنوب، آخر أميرة بقيت تحمل رائحة المغرب العميق، المغرب الذي لا يظهر في البطاقات البريدية، بل في رعشة الأذان فوق الطين، وفي صمت الواحات ساعة المغيب، وفي وجوه الشيوخ الذين يشبهون مخطوطات بشرية نجت من الحريق.

وحين سألنا وزير الثقافة السيد بنسعيد في معرض الكتاب بباريس السنة الماضية عن مصير الترميم، جاء الجواب هادئا: “الأشغال ستستغرق سنة.” لكن السنة التي قيلت هناك، تحت أضواء باريس الباردة، لم تكن هي السنة التي تحسبها الصحراء. الصحراء لا تقيس الزمن بالإسمنت ولا بالصفقات، بل بما يبقى من الروح داخل الجدران. هنا يحق السؤال المؤلم: هل علماء الآثار، الذين أفنوا أعمارهم بين النقوش والتراب والمخطوطات، صاروا فجأة جهلة بالميدان؟ أم أن هناك بالفعل كارثة ترتكب باسم الترميم؟ هل صار المطلوب من المدن العتيقة أن تتخلى عن هشاشتها النبيلة كي ترتدي دروعا إسمنتية تشبه مواقف السيارات ومحطات العبور؟

 

إن الصحراء لا تعامل بالعنف. الصحراء امرأة من نار وخيال، إذا رفعت صوتك أمامها خسرت هيبتك، وإذا حاولت إخضاعها بالحديد ابتلعتك بالرمال. ولهذا كان البديل واضحا: ترميم يحترم خصوصية المكان، يعتمد التدعيم الخفيّ الهادئ، ويعيد الاعتبار للأسوار والأبراج والأبواب وفق روح العمارة السجلماسية، لا وفق مزاج المقاول المستعجل ولا هندسة الإسمنت الباردة. كان ممكنا أن تُرمم سجلماسة كما ترمم الأيقونات النادرة: بيد ترتجف من الاحترام. كان ممكنا أن تُترك الجدران تتنفس طينها القديم، وأن تُخفى التقنيات الحديثة خلف حكمة الأجداد، لا أن تتحول المدينة إلى هيكل رماديّ يبعث برسالة قاسية مفادها أن منطق السرعة والربح صار أعلى من قدسية التاريخ.

 

إن سجلماسة ليست أرضا فارغة لتجريب الحلول الجاهزة. إنها ذاكرة أمة كاملة. إنها المرآة التي يرى المغرب فيها وجهه الصحراوي العميق، وجهه الذي عبرت منه القوافل والعلوم والتصوف والذهب والحكايات. ومن يهدم روح سجلماسة، ولو باسم الترميم، يشبه من يطفئ نجمة قديمة فقط لأنه لا يفهم لغتها. لهذا فإن المرافعة عن الريصاني اليوم ليست دفاعا عن جدران، بل عن معنى المغرب نفسه. عن حقّ الطين في أن يبقى طينا وعن حقّ التاريخ في ألا يتحول إلى ديكور إسمنتيّ بلا ذاكرة. فالمدن العظيمة لا تموت حين تسقط جدرانها، بل تموت حين نفقد القدرة على الإصغاء إلى أرواحها.

المصدر: جريدة الورقاء