زايد جرو -الرشيدية /جديد انفو

ليست كل عزلة هروبا، وليست كل وحدة دليلا على الانكسار ،فثمة لحظات في الحياة يبلغ فيها الإنسان من التعب ما يجعله يبحث عن ركن هادئ بداخله، بعيدا عن ضجيج العالم، وتقلب الوجوه، وخيبات الذين ظن يوما أنهم سيكونون ملاذا للاتكاء.

هناك، حين تُثقل الروح بما لا يُقال ولا بطاق ، وتضيق المسافات رغم الاتساع ، يكتشف الإنسان أن أجمل ما يمكن أن يصنعه لنفسه هو أن يعود إليها، أن يجلس معها طويلا ، وأن يصغي إلى صمتها بعد سنوات عمر من الضجيج.

اخترت الصمت راحة، واخترت نفسي وطنا، لا لأنني كرهت ، ولا لأنني فقدت القدرة على المحبة، بل لأنني أدركت أن كثرة الحضور لا تعني صدق القرب، وأن بعض المسافات أرحم من ألف لقاء، وأن الابتعاد أحيانا ليس خسارة، بل انتصار هادئ .

بعيدا عن الزحام، بدأت أرمّم ما انكسر بداخلي، أجمع شتات أحلامي، وأعيد ترتيب نفسي على مهل، دون أن أنتظر من أحد أن يفهم وجعي، أو يقرأ ما تخفيه ابتسامتي من حكايات ،فقد تعلمت أن بعض الأوجاع لا تحتاج للشرح، وأن بعض الجروح لا يشفيها الكلام، بل يمنحها الوقت، وان الصمت فرصة للالتئام.

لم تعد الوحدة بالنسبة إلينا فراغا كما يعتقد البعض، بل أصبحت امتلاء ، ومساحة نستعيد من خلالها ملامحنا التي أضاعها الركض خلف الآخرين. فالهدوء لا يفهم قيمته إلا من ذاق مرارة الحياة، ولا يعرف جمال العزلة إلا من أتعبته الوجوه المثقلة، وأرهقته خيبات التوقعات.

اكتشفت أن نفسي لم تكن يوماً عدوا لي، بل كانت الملجأ الذي تأخرت كثيرا في العودة إليه. وأن الاكتفاء بالذات ليس كبرياء ولا تعالياً، بل مصالحة عميقة مع النفس، وإدراك بأن السعادة لا ينبغي أن تظل معلّقة بحضور أحد أو غيابه.

اليوم، أتصالح مع التفاصيل الصغيرة؛ مع فنجان قهوة في صباح هادئ، ومع لحظة تأمل لا يقطعها أحد، ومع ابتسامة تولد من أعماق الروح دون سبب. صرت أرى أشياء لم أكن أنتبه إليها من قبل، وأمنح الحياة فرصة جديدة لتعرّفني على وجهها البسيط والصادق.

لم أعد أبحث عن كثرة الوجوه، ولا عن ضجيج العلاقات، ولا عن كلمات تُقال ثم تتبخر عند أول اختبار. يكفيني قلب مطمئن، وروح لا تخاصم نفسها، وهدوء لا يعكره انتظار.

 

لقد اخترتُ نفسي وطناً، بعدما أدركت أن الإنسان قد يخسر أماكن كثيرة، وقد تتغير حوله الوجوه والعناوين، لكنه حين يجد طريق العودة إلى ذاته، لا يعود غريباً أبداً.

 

فما أجمل أن يصل الإنسان إلى مرحلة لا ينتظر فيها من العالم أن يمنحه السلام، لأنه تعلّم أخيراً كيف يصنعه بداخله .أحياناً، لا نحتاج إلى أن نبدأ حياة جديدة… بل نحتاج فقط إلى أن نعود إلى أنفسنا، ونعيش بسلام.