حسن كجوط /جديد انفو
إن تخصيص ميزانية لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية لا ينبغي أن يقرأ باعتباره تفضيلا للغة على حساب أخرى، وإنما باعتباره خطوة في اتجاه تصحيح اختلال تاريخي في السياسات اللغوية والثقافية بالمغرب، فالأمازيغية عانت لعقود من التهميش، وظلت مطالب الحركة الأمازيغية، في كثير من مراحلها و مختلف محطاتها النضالية، تصطدم بمقاومات سياسية وثقافية حالت دون إنصافها في مؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراض على الاعتمادات المخصصة للأمازيغية، لمجرد أنها اعتمادات موجهة إلى تفعيل رسميتها، يثير سؤالا جوهريا حول مدى استيعاب أصحاب هذا الموقف لمبدأ المساوات، فالمساوات لا تعني تجاهل الفوارق التاريخية في أوضاع اللغات، ولا تعني توزيع الموارد بصورة شكلية دون مراعاة حاجات كل لغة ومتطلبات إدماجها الفعلي في الحياة العامة.
العربية استفادت من مؤسسات الدولة، والأمازيغية تطالب بإنصافها
لا يمكن إنكار المكانة التي تحتلها اللغة العربية في المغرب، ولا حجم ما حظيت به من حضور في التعليم والإدارة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية، فضلا عن امتدادها في عدد من البلدان العربية التي راكمت تجارب ومؤسسات وموارد موجهة لخدمتها وتطويرها، لذلك، فإن المطالبة بدعم العربية لا تتعارض في حد ذاتها مع دعم الأمازيغية، بل إن اللغة العربية (مخاصها خير)، بينما الأمازيغية تستحق سياسات عمومية مسؤولة تضمن تطويرها وتيسير تعلمها واستعمالها، لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول المطالبة بدعم إحداهما إلى مبرر للاعتراض على إنصاف الأخرى، أو حين يقدم الاعتراف بالأمازيغية وكأنه انتقاص من العربية ومكانتها.
إن السؤال الذي يفرض نفسه كذالك هنا هو: ماذا يعني الاعتراض على تمويل تنزيل رسمية الأمازيغية بحجة عدم تخصيص دعم مماثل للعربية؟ وهل المطلوب فعلا تقوية العربية، أم استعمالها غطاء سياسيا وثقافيا لمقاومة الحقوق اللغوية الأمازيغية؟
في نظري، العربية لا تحتاج إلى أن تكون الأمازيغية مهمشة حتى تحافظ على مكانتها، كما أن إنصاف الأمازيغية لا ينتقص من العربية، ولا يمس بحق المغاربة في تعلمها واستعمالها، إن تحويل العلاقة بين اللغتين إلى معركة صفرية لا يخدم أيا منهما، بل يعيد إنتاج منطق الإقصاء الذي يفترض أن المشروع التقدمي جاء لتجاوزه.
الحركة الأمازيغية: معارضة خارج أسوار البرلمان
الحركة الأمازيغية حركة يسارية، لكنها ليست عروبية ولا قومجية؛ استلهمت الفكر اليساري من منابعه الفكرية الأصلية، وتتبنى مبادئ حقوقية وتقدمية وتحررية، وهي حركة لا تؤمن، في غالبيتها، بالعمل السياسي الحزبي، باستثناء قلة قليلة من المناضلين الذين اختاروا الانخراط في الأحزاب السياسية، ولا يكاد عددهم يحصى على رؤوس الأصابع.
لا تختزل القضية الأمازيغية في مواقف الأحزاب أو مداخلات البرلمانيين، ولا تتوقف عند حدود المؤسسات الرسمية، فهناك حركة أمازيغية راكمت، على مدى عقود، نضالات فكرية وثقافية ومدنية من أجل الاعتراف باللغة والهوية والثقافة الأمازيغية، وأسهمت في جعل القضية الأمازيغية جزءا من النقاش العمومي والسياسي في المغرب.
وستظل هذه الحركة، باستقلاليتها وتعدد مكوناتها، قادرة على ممارسة حقها في المعارضة والنقد والمساءلة، ليس تجاه الحكومة فحسب، بل أيضا تجاه المعارضة نفسها، حين تتبنى مواقف تتعارض مع مبادئ المساواة والتعددية والإنصاف.
فالمعارضة ليست امتيازا حصريا للأحزاب الممثلة في البرلمان، كما أن تبني خطاب يساري لا يمنح صاحبه حصانة من النقد. ومن حق الفاعلين الأمازيغيين مساءلة كل مشروع سياسي، مهما كانت مرجعيته المعلنة، متى تبين أنه يتعامل مع الحقوق اللغوية والثقافية بمنطق انتقائي.
أي يسار نريد؟
ارتبط ظهور اليسار السياسي بالتحولات التي أعقبت الثورة الفرنسية سنة 1789، ثم تطور فكره مع النضالات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها أوروبا، ليصبح تقليدا سياسيا متعدد التيارات، يستند في جوهره إلى مبادئ العدالة الاجتماعية، وتقليص الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، والمساواة، والدفاع عن الحقوق والحريات، وإصلاح المؤسسات والسياسات التي تنتج الظلم والإقصاء، كما تشكل التعددية الثقافية واللغوية، والاعتراف بالحق في الاختلاف، جزءا أساسيا من قيم اليسار الديمقراطي.
وانطلاقا من هذه المبادئ، فإن اليسار الذي يتبنى التعددية الثقافية واللغوية لا يمكنه التعامل مع الأمازيغية باعتبارها قضية ثانوية، أو تحويل الاعتراف بها إلى موضوع للمزايدة السياسية، فالحداثة ليست مجرد شعارات، والتقدمية ليست انتسابا حزبيا، بل هما موقف عملي من حقوق المواطنين، وفي مقدمتها الحق في اللغة والهوية والثقافة.
وإذا كانت بعض التيارات السياسية تحتفظ باسم اليسار دون الالتزام الفعلي بقيمه التحررية، فمن حقنا مساءلة مواقفها والكشف عن التناقض بين خطابها وممارستها، إذ لا يستقيم الدفاع عن حقوق الشعوب واللغات من جهة، والاعتراض على تدابير إنصاف لغة وطنية عانت التهميش لعقود من جهة أخرى.
صحيح أن انتقاد البرنامج الحكومي حق مشروع، وأن الاختلاف السياسي جزء من الممارسة الديمقراطية، غير أن الاعتراض على الاعتمادات المالية المخصصة لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، دون تقديم تصور منصف يضمن النهوض بالأمازيغية التي عانت الظلم و الغقصاء لعقود من الزمن، يثير تساؤلات حول المصداقية الفكرية والسياسية لأصحاب هذا الموقف، فتخصيص الموارد لتنزيل رسمية الأمازيغية ليس امتيازا ولا تهديدا للعربية، وليست بصدقة، بل هو التزام دستوري يتطلب إمكانات مالية ومؤسساتية، كما أن الدفاع عن العربية لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لمعارضة الأمازيغية، لأن الإنصاف اللغوي لا يتحقق بإقصاء لغة لفائدة أخرى، وإنما بضمان حقوقهما على أساس المساواة والعدالة.
إن اليسار ليس اسما حزبيا ولا احتكارا للحداثة والتقدم، بل تقليد سياسي واسع يختبر مدى وفائه لمبادئه من خلال مواقفه العملية من العدالة الاجتماعية والديمقراطية والحريات والتعددية الثقافية واللغوية، ومن هذا المنطلق، يظل من حقنا مساءلة الأحزاب والتيارات التي تنتسب إليه عن مدى انسجام مواقفها من القضية الأمازيغية مع القيم التي تعلن الدفاع عنها، فأي يسار نريد: يسار الشعارات والانتسابات، أم يسار الحقوق والمساواة والاعتراف بالتعددية؟
يا من يختبأ وراء تَيَسَريتْ، الأمازيغية ليست خصما للعربية، وليست عبئا على ميزانية الدولة، وليست ورقة للمزايدة السياسية، بل هي لغة هذا الأرض، ولغة شعب هذه الأرض، هي لغة رسمية وقضية إنصاف وحق لمواطني هذا البلد،الذي احتفظ بها أجداده لألاف السينين حتى ظهرت إديولوجيات سياسية و دينية و ظهرت أحزاب وتيارات وتوجهات ساهمت في إزالتها من ذاخل المؤسسات وفصلها عن الإنسان الناطق بها وإبعادها لأهلها غير الناطقين بها.
وعلى من يتخذ اليسار مرجعية له أن يختار بوضوح: إما الالتزام بقيم المساواة والتعددية والعدالة اللغوية، وإما مراجعة الخطاب الذي يقدمه للناس باسم التقدم والحداث.. أما الحركة الأمازيغية، فقد أثبتت أن الدفاع عن الحقوق لا يحتاج إلى إذن من أحد، بل إلى إرادة نضالية مستقلة ووعي راسخ بعدالة القضية، وستواصل أداء دورها الرقابي والنقدي، ومساءلة الحكومة والمعارضة على حد سواء، دون انتقائية أو مجاملة سياسية، كما ستتمسك بحقها المشروع في مراقبة أداء المؤسسات الدستورية والبرلمان والأحزاب، ورصد مدى التزامها بمبادئ المساواة والتعددية والإنصاف اللغوي والثقافي. فالحركة الأمازيغية ليست تابعا لأي أجندة حزبية، ولا صوتا احتياطيا لأي تيار سياسي، بل قوة مدنية مستقلة تدافع عن الحقوق وتناهض كل أشكال التهميش والإقصاء، وستظل يقظة في مواجهة كل محاولة لإعادة إنتاج التمييز، مهما كانت المرجعيات والشعارات التي تتخفى وراءها.
|
|