زايد جرو -الرشيدية /جديد انفو
لم تكن مياه الشعاب التي رغبت أن تسكن ' تيفرط نيكضاض' ضاية السريج بمرزوگة هذه الأيام مجرد حصيلة لتساقطات مطرية حملتها الشعاب والأودية، بل كانت بشارة خير وأمل أعادت إلى المكان نبضه، وللساكنة فرحتها، ولرمال الصحراء وعدا جديدا بالحياة ،فقد أوشكت الضاية على الامتلاء اليوم الثلاثاء 20 اكتوبر بمياه السيول الجارفة التي تدفقت من الشعاب والأودية، متسابقة وفرحة برحيلها من المجهول بالسماء الى ارض معلومة ضربت بها موعدا للتلاقي لتغمر كل جنباتها وتمنح المشهد الصحراوي لوحة استثنائية، عنوانها الماء حين يصالح الأرض، والطبيعة حين تستعيد بعضا من أسرارها.
استبشرت ساكنة مرزوگة بهذا الملء المائي الذي طال انتظاره، وهي تدرك أن كل قطرة تستقر في أحضان الضاية تمثل ثروة ثمينة في منطقة يظل فيها الماء أكثر من مجرد مورد طبيعي؛ إنه شرط للحياة، وذاكرة للمكان، وأمل في استمرار التوازن البيئي، غير أن فرحة الساكنة لم تكن لتكتمل لولا يقظة أبنائها، الذين هبّوا، كل من موقعه وبما تيسر له من جهد وإمكانات، لإصلاح الأعطاب وترميم الشقوق التي تسببت في تسرب كميات من المياه نحو الشعاب، مهددة بضياع جزء من هذه الثروة التي جاءت بها السيول.
التضامن المحلي في أبهى صوره تتجلى مظاهره حين تحول حب المكان من مشاعر تختزنها القلوب إلى مبادرات ميدانية وأياد تمتد لترميم ما تصدع، وصون ما يمكن أن يضيع ،لقد أدرك المتطوعون أن انتظار امتلاء الضاية لا يكفي، وأن المحافظة على مياهها مسؤولية مشتركة تتطلب التدخل في الوقت المناسب، قبل أن تتبدد المياه في مسالك لن تعود منها.
وفي قلب هذه المبادرة وفي مبادرات سابقة برز اسم الجمعوي مبارك اوسيدي الذي تطوع بجهده وماله رفقة اخرين لترميم ما حصل للضاية من تلف بعد ان اصبحت المياه تمر بها مسافرة دون توقف فأصلح العطب ليبرز اسم الفاعل الجمعوي الحاج أوباسيدي بدوره في ذات التوجه حيث راكم جهودا متواصلة في سبيل الحفاظ على مياه ضاية السريج وصيانة دورها البيئي والمجالي، فهو من الأصوات التي اختارت أن تجعل من الدفاع عن هذا الفضاء الطبيعي قضية تتجاوز حدود المبادرات العابرة، لتصبح تعبيرا عن الارتباط بالأرض والوفاء لذاكرة المكان.
وبصوته القوي الذي ألفته الساكنة، أطلق الحاج أوباسيدي نداءه من جديد في فيديو من عين المكان تقاسمه رواد التواصل الاجتماعي بشكل كبير، داعيا أبناء القبيلة وساكنة مرزوگة إلى الالتئام والتطوع من أجل ترميم الشقوق التي تتسرب منها المياه، مستنهضا روح الجماعة بقوله: هلمّوا يا أهل القبيلة، ويا ساكنة مرزوگة، كل حسب طاقته وجهده، لنضع اليد في اليد من أجل الضاية، لأنها الوجه المشترك للجميع.
لم يكن هذا النداء مجرد دعوة إلى عمل تقني محدود، بل كان رسالة في معنى الانتماء، وتذكيرا بأن الفضاءات الطبيعية التي تمنح المنطقة جمالها وقيمتها لا يمكن حمايتها إلا بتضافر جهود الجميع ،وقد لقيت المبادرة استحسانا واسعا، لما تحمله من روح المسؤولية والتكامل، ولما تجسده من وعي بأن الضرر الذي قد يلحق بالضاية ليس شأنا فرديا، بل خسارة مشتركة لا يقبلها من يرى في هذا المكان جزءا من هويته وامتداده البيئي والتاريخي والثقافي.
أهمية ضاية السريج لا تقف عند حدود المياه التي تختزنها، ولا عند المشهد الساحر الذي ترسمه وسط الرمال الذهبية، بل تمتد إلى أدوار بيئية أساسية، في مقدمتها المساهمة في تغذية الفرشة المائية، وتعزيز التوازن الطبيعي بالمنطقة، وتوفير فضاء ملائم للطيور المهاجرة التي تتخذ من المكان محطة للاستراحة والتزود بأسباب البقاء خلال رحلاتها الطويلة. وحيث تحط الطيور أجنحتها، تحضر معها عيون السياح وعشاق الطبيعة، فيلتقي جمال المشهد الصحراوي بسحر الحياة البرية، وتتحول الضاية إلى عنصر من عناصر الجاذبية السياحية التي تمنح مرزوگة خصوصيتها وتفردها.
فحماية هذا الفضاء ليست مجرد استجابة ظرفية لسيول موسمية، بل هي استثمار في مستقبل المنطقة البيئي والسياحي، وضرورة تفرض التفكير في حلول مستدامة للحد من تسرب المياه وضياعها، مع مراعاة الخصائص الطبيعية للمكان، وتعزيز المبادرات المدنية التي أثبتت أن الوعي المحلي قادر على أن يكون شريكا أساسيا في صون الموارد الطبيعية.
واليوم، تبدو ضاية السريج في صحة وعافية، وقد أخذت مياهها تتلألأ تحت أشعة شمس خريفية دافئة، كأنها مرآة زرقاء تعكس فرحة الساكنة وامتنانها ففي هذا المشهد الهادئ، تبدو المياه مبتسمة، وتبدو الرمال أقل قسوة، فيما يستعيد المكان بعضا من بهائه الذي لا تمنحه الصحراء إلا حين تتعانق مع الماء.
لحظة تستحق أن تُروى، ليس لأن الضاية امتلأت فحسب، بل لأن الإنسان كان حاضرا إلى جانب الطبيعة، يحرس ما استطاع من عطائها، ويقاوم ضياعها بجهده وصوته وإرادته، وهي أيضا شهادة على أن العمل التطوعي، حين ينبع من حب الأرض والإحساس بالمسؤولية، يستطيع أن يصنع فارقا حقيقيا، وأن يحول النداء الفردي إلى فعل جماعي يلتف حوله الناس.
في مرزوگة، لم تملأ السيول ضاية السريج بالماء وحده، بل ملأتها أيضا بروح التضامن؛ فحين تتحد الأيادي لحماية الطبيعة، تصبح قطرة الماء وعدا بالحياة، وتغدو الضاية ذاكرة مشتركة تستحق أن نصونها للأجيال القادمة.
الامل معقود على الجهات المسؤولة لاصلاح السد التلي الذي انكسر لتمتلئ الضاية عن اخرها والساكنة مستعدة لتقديم ما يلزم والمساهمة من اجل الصالح العام.
|
|