زايد جرو - الرشيدية / جديد انفو
بالرشيدية، وأنت المار بها فإنك لا تعبر الشوارع وحدها، بل تعبر وشما ووجعا قديما، وصمتا يابسا، ومدينةمهترئة شائخة تتكئ على ظلها في مواجهة شمس لا ترحم ،هنا تبدو الحرارة أكثر من مجرد فصل، إنها امتحان يومي للصبر، ولسكان يحملون على أكتافهم متاهة سيزيف ، وأنينا طويلا لا يسمعه إلا من ينصت جيدا لنبض الأرصفة ..تمشي من شارع لشارع فتطالعك وجوه شاحبة، ونظرات تائهة تبحث عن نافذة للأمل ...
بالرشيدية الشمس لا تشرق ولا ترسل الخيوط، بل تهبط ككتل من نار، تستوطن الأزقة والبيوت والقلوب ولا تقاس الحرارة بدرجاتها، بل بما تتركه من عطش في الأرواح، ومن تعب على وجوه الناس.
مدينة بعيدة عن صخب الحواضر، كأنها نبتت على هامش الجغرافيا، ثم تركت تواجه المجهول، تحمل على كتفيها الأثقال الكبيرة، وفي صدرها أنين طويل لا يسمعه إلا من يعرف كيف تصغي المدن إلى وجعها.
تمشي في شوارعها، تعبر الرصيف للرصيف، فلا تصادف سوى وجوه أنهكها الانتظار، وأحلام فقدت طريقها، ونظرات تائهة تزيد القلب خوفا وكأن المدينة أصبحت مرآة كبيرة تعكس تعب الإنسان وهو يقاوم كيا وندوبا لاتندمل.
وفي زواياها المعتمة، تتقاطع الحكايات ...غرباء سود لفظتهم طرق الهجرة الطويلة عبر الصحراء، وألقت بهم الأقدار في هذه المدينة المنسية، يحملون بدورهم وجع الرحيل، بينما تحمل الرشيدية وجع البقاء، فيختلط ألم القادم بألم المقيم، ويكبر الإحساس بأن الجميع يبحث عن شاطئ نجاة قد يلوح في الأفق.
الأسواق تتحرك، لكن الرزق يمشي ببطء، المقاهي تمتلئ، لكن أحاديثها مثقلة بالأنين وغلاء المعيش وأسئلة المجهول، والليل حين يسدل ستاره، لا يخفي الحزن وحده بل يجعله أكثر وضوحا، ومع ذلك لا تزال الرشيدية تقاوم و تقاوم بأهلها الطيبين، وبنخيلها الذي يتحدى العطش، وبإيمان سكانها بأن الفجر لا بد أن يأتي، مهما طال الليل.
فالناس هنا لم يعودوا ينتظرون مطر البلل وحده ،بل ينتظرون مطرا من الإنصاف، وعدالة مجالية،ووعدا مفترضا وكرامة تعيد للرشيدية بريقا منتظرا ، حتى لا تبقى المدينة مدمنة على شرب الشمس كل يوم وقبل الشروق، فحين تبدأ الحرارة في الانكسار خلف الجبال، يرفع القوم أبصارهم إلى السماء، ينتظرون غيثا نافعا، وأفقا يبدد الغموض، وخلاصا من المجهول الذي طال مقامه.
فالمدينة انكسر فيها المقام ولا تموت بالعطش وحده، بل تموت بالغبن وقهر اليتم ومازالت الساكنة تحتفظ في أعماقها بإيمان عنيد بأن السماء، مهما تأخر غيثها ، لا بد أن تمطرذات يوم.
|
|