يوسف قموش - جديد انفو / متابعة

منذ مجيء المجلس الجماعي الحالي لمدينة الرشيدية، لم يفتأ مسؤولوه يؤكدون في مختلف المناسبات أن المدينة تمتلك من المؤهلات ما يجعلها قادرة على التحول إلى وجهة سياحية، بل إن تصريحات رئيس المجلس ذهبت إلى حد الحديث عن مشاريع من شأنها أن تجعل الراشيدية مدينة سياحية قائمة بذاتها، لا مجرد محطة عبور نحو وجهات أخرى. غير أن هذا الطرح يطرح سؤالا جوهريا: إلى أي حد يستند هذا التصور إلى معطيات موضوعية، وإلى أي حد يبقى مجرد طموح سياسي يصطدم بواقع الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد؟

يعد القطاع السياحي أحد أهم أعمدة الاقتصاد المغربي، إذ يساهم بما يقارب 7% من الناتج الداخلي الخام بشكل مباشر، وترتفع مساهمته إلى نسب أكبر عند احتساب الأنشطة المرتبطة به بصورة غير مباشرة. كما يشكل، إلى جانب تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، أحد أهم مصادر العملة الصعبة، وهي موارد تتميز بكونها لا تتطلب من الدولة استثمارات إنتاجية ضخمة كتلك التي تحتاجها القطاعات الصناعية أو الفلاحية، بل تعتمد أساسا على تثمين المؤهلات الطبيعية والتاريخية والثقافية التي تتوفر عليها البلاد.

ومنذ الاستقلال، انتهج المغرب سياسة واضحة في الترويج للمدن التي تمتلك مؤهلات سياحية استثنائية، سواء كانت طبيعية، كما هو الحال بالنسبة لكثبان مرزوكة الذهبية، أو جبال الأطلس الكبير، أو صحاري الجنوب، أو تاريخية وحضارية كما هو الشأن بالنسبة لفاس ومكناس ومراكش، أو اقتصادية مرتبطة بالصناعة التقليدية والأسواق العريقة كما في مراكش وأكادير وغيرها. ولم يكن اختيار هذه المدن اعتباطيا، وإنما فرضته عناصر موضوعية يصعب خلقها بقرارات إدارية أو بشعارات انتخابية.

ومن هنا يبرز السؤال: هل تمتلك مدينة الراشيدية بالفعل مثل هذه المؤهلات حتى يمكن تصديق الوعود التي تتحدث عن تحويلها إلى مدينة سياحية تنافس المدن المغربية الكبرى، بدل أن تبقى معبرا نحو المناطق السياحية الحقيقية بالإقليم؟

إن العودة إلى تاريخ نشأة المدينة تكشف كثيرا من الحقائق. فالراشيدية، التي كانت تعرف بقصر السوق، لم تنشأ كمدينة تاريخية أو كحاضرة تجارية عريقة، وإنما أنشئت في عهد الحماية الفرنسية كتجمع سكاني ذي وظيفة عسكرية وإدارية. ولذلك فإن اختيار موقعها لم يكن نابعا من وجود إرث حضاري استثنائي، ولا من توفرها على مناظر طبيعية فريدة، ولا من احتضانها لصناعة تقليدية اشتهرت بها عبر القرون، وإنما فرضته اعتبارات أمنية واستراتيجية مرتبطة بظروف تلك المرحلة.

ولعل قدر الراشيدية الجغرافي جعلها تؤدي وظيفة مختلفة تماما، فهي تقع في قلب شبكة طرق تؤدي إلى وجهات سياحية عالمية، دون أن تكون هي نفسها تلك الوجهة. فهي بوابة نحو كثبان مرزوكة جنوبا، ومعبر نحو مراكش غربا، ومحطة في الطريق إلى جبال الأطلس وغاباته شمالا. وهذا الموقع جعلها تستفيد من حركة العبور، لكنه لم يمنحها تلقائيا مقومات المدينة السياحية المستقلة.

وليس هذا الوضع استثناء في المغرب، بل عرفته مدن عديدة حاولت، بإمكانات مالية وبشرية كبيرة، أن تصنع لنفسها هوية سياحية دون أن تنجح بالشكل المأمول. فالراحل محمد بنعيسى، الذي ارتبط اسمه بمدينة أصيلة، كرس جزءا كبيرا من حياته السياسية والثقافية لجعل مسقط رأسه مدينة سياحية وثقافية ذات إشعاع عالمي. ورغم النجاح الذي حققه موسم أصيلة الثقافي، فإن المدينة لم تستطع منافسة مراكش أو فاس أو الصويرة من حيث الجاذبية السياحية، لأن ما تملكه هذه المدن من مؤهلات تاريخية وطبيعية وتراثية يفوق بكثير ما هو متوفر في أصيلة. كما عرفت مدن أخرى، مثل وجدة والعيون، محاولات مماثلة، لكنها ظلت محدودة الأثر مقارنة بالوجهات السياحية الكبرى.

أما ما يروج له المجلس الجماعي من مشاريع لإحداث متاحف، باعتبارها رافعة لجذب السياح، فيستحق بدوره قدرا من الواقعية. فمتحف للجيولوجيا، على سبيل المثال، سيجد نفسه في منافسة غير متكافئة مع مدينة أرفود، التي تحولت منذ سنوات إلى عاصمة وطنية ودولية للأحافير والمستحثات والصناعة الجيولوجية، حيث لا يقتصر الأمر على متحف، بل يمتد إلى ورشات ومقاولات وأسواق متخصصة تستقطب الباحثين والهواة من مختلف أنحاء العالم. كما أن فكرة إنشاء متحف للعملات، رغم قيمتها الثقافية، لا تبدو كافية لاستقطاب السائح الداخلي، فكيف بالسائح الأجنبي الذي يختار وجهاته بناء على عناصر أكثر قوة وجاذبية؟

ولا يمكن إنكار أن المجلس الحالي يبدو جادا في تنفيذ بعض وعوده، وهو ما تؤكده تصريحات رئيس المجلس حول كثرة طلبات الاستثمار الخاصة بإنشاء الفنادق، والتي تخضع حاليا للدراسة. غير أن بناء الفنادق، في حد ذاته، لا يصنع مدينة سياحية. فالفندق ليس سببا في مجيء السائح، بل نتيجة لوجود طلب سياحي قائم أصلا. لذلك فإن كثرة الفنادق قد تؤدي إلى تعزيز وظيفة الراشيدية كمحطة مبيت أو استراحة عابرة بالنسبة للسياح المتوجهين نحو مرزوكة أو الأطلس أو مراكش، لكنها لن تحولها بالضرورة إلى وجهة سياحية مستقلة.

إن التخطيط الحضري الناجح يقوم على استثمار نقاط القوة الحقيقية لكل مدينة، لا على محاولة تقليد تجارب مدن أخرى تختلف عنها في التاريخ والجغرافيا والوظيفة. فالمدن لا تختار دائما أدوارها، وإنما تفرضها عليها ظروف نشأتها وموقعها وإمكاناتها. والراشيدية، بحكم كونها عاصمة لجهة درعة تافيلالت، تمتلك فرصة أكبر للنجاح إذا جرى توجيه الجهود نحو ترسيخ مكانتها كمدينة إدارية وجهوية كبرى، بدلا من ملاحقة حلم سياحي قد يصعب تحقيقه.

ومن هذا المنطلق، فإن الأولوية ينبغي أن تتجه نحو تقوية الوظيفة الإدارية والخدماتية للمدينة، عبر توسيع الإدارات الجهوية، وإحداث مؤسسات جامعية جديدة، ومعاهد عليا، ومستشفى جامعي، ومراكز للبحث والتكوين، مع تطوير خدمات النقل والإيواء والسكن والبنية التحتية والمرافق العمومية. فهذه المشاريع ستخلق طلبا حقيقيا على الخدمات، وستستقطب الطلبة والباحثين والأطر والموظفين والمستثمرين، وهو ما سينعكس مباشرة على الدورة الاقتصادية المحلية، ويحسن مداخيل الساكنة وجودة العيش.

إن الرهان الحقيقي ليس في إقناع المواطنين بأن الراشيدية ستصبح مراكش جديدة أو اكادير أخرى، وإنما في بناء نموذج تنموي ينسجم مع هوية المدينة ووظيفتها الواقعية. فنجاح المدن لا يقاس بقدرتها على تقليد غيرها، بل بقدرتها على استثمار خصوصياتها وتحويلها إلى عناصر قوة. وإذا استطاعت الراشيدية أن تصبح عاصمة جهوية حديثة، ذات إدارة قوية، وجامعات مرموقة، ومستشفى جامعي، وخدمات ذات جودة، فإنها ستكون قد حققت نجاحا تنمويا أكثر استدامة وفائدة لسكانها من أي مشروع يقوم على وعود سياحية يصعب أن تجد سندها في الواقع.