جديد انفو ـ مرزوگة /متابعة
لم تكن الوقفة الاحتجاجية التي شهدتها مرزوكة، التابعة لجماعة الطاوس بإقليم الرشيدية، اليوم الأربعاء فاتح يوليوز، مجرد تجمع عابر، بل كانت رسالة قوية مفادها أن الأرض، بالنسبة لقبيلة أيت خباش، ليست وثيقة عقارية ولا مشروعًا استثماريًا، وإنما تاريخ وهوية وذاكرة جماعية لا تقبل المساومة.
ففي الوقت الذي تتجه فيه إجراءات تحديد وتحفيظ رمال مرزوكة، يرى المحتجون أن القضية تتجاوز الجانب الإداري، لتتحول إلى سؤال كبير حول مستقبل الأراضي السلالية: هل ستظل ملكًا لأصحابها التاريخيين، أم ستفتح أمام منطق الاستثمار الذي قد يجعل أبناء الأرض آخر المستفيدين منها؟
ويؤكد أبناء القبيلة أن جماعة الطاوس كانت مجالًا لتحرك رحل القبيلة والاستقرار قبل الاستعمار الفرنسي وقبل استقلال المغرب، وأن أجدادهم عاشوا فوق هذه الرمال وتحملوا قسوة الصحراء بحرارتها ورياحها وزواحفها، ولم يغادروها رغم قساوة العيش. ولذلك، يعتبرون أن من حافظ على الأرض في سنوات الشدة أولى بها من كل من جاء إليها بعدما أصبحت وجهة سياحية عالمية.
ويطرح المحتجون سؤالًا يصفونه بالمشروع: ماذا ستجني الساكنة المحلية من تحفيظ هذه الرمال؟ وماذا سيكون نصيبها من التنمية الحقيقية، وهل ستتحول فقط إلى متفرج على مشاريع تقام فوق أرض أجدادها دون أن تكون شريكًا فيها؟
بالنسبة للمحتجين، فإن رمال مرزوكة ليست مجرد كثبان رملية يقصدها السياح لالتقاط الصور و الاستمتاع بغروب الشمس، بل هي وطن وهوية وانتماء وامتداد لتاريخ قبيلة أيت خباش، ولذلك يرفضون أي مسار قد يؤدي، في نظرهم، إلى تمليكها للغير، كيفما كانت صفته أو مبرراته.
كما يطالب المحتجون الدولة بحماية الطابع الجماعي والسلالي لهذه الأراضي، ويطالبون بسياسات عقارية منصفة للساكنة المحلية، حتى لا تتحول التنمية إلى مصدر جديد للتوتر بدل أن تكون مدخلًا لتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية.
وفي مشهد يعكس حجم الاحتقان، غادر التقنيون الذين حلوا بالمكان دون إنجاز مهمة التحديد والتحفيظ، بعدما واجهوا رفضًا واسعًا من المحتجين، الذين أكدوا أن الدفاع عن أرض الأجداد بالنسبة إليهم ليس موقفًا ظرفيًا، بل خيارت لن يتراجعوا عنه.
إن التنمية الحقيقية لا تُبنى بإقصاء الإنسان من أرضه، ولا بتحويل الذاكرة الجماعية إلى مجرد ملف عقاري. فحين يشعر أصحاب الأرض بأنهم خارج معادلة القرار، يصبح الاحتجاج لغة للدفاع عن حق يعتبرونه جزءًا من تاريخهم ووجودهم، وليس مجرد نزاع حول حدود أو رسوم عقاري.
وفي تصريحات متفرقة لجديد انفو من عين المكان أكد الفاعل الجمعوي والمنعش السياحي السيد علي والعربي في في تصريح عنونه ب ' رمال مرزوكة الذهبية: بين مطرقة التحفيظ الإداري، وسندان العيش الاقتصادي للساكنة" قال:
تعتبر رمال مرزوكة الذهبية بالجنوب الشرقي المغربي إرثاً طبيعياً وثقافياً تناقلته الأجيال، وتحول بفضل سواعد شباب المنطقة واستثماراتهم المحلية من مجرد صحراء قاحلة إلى وجهة سياحية عالمية، تضخ الحياة في شرايين الاقتصاد المحلي والوطني وتوفر فرص عيش مباشرة وغير مباشرة لعموم الساكنة،غير أن هذا الصيت العالمي بات اليوم يواجه تحدياً كبيراً يتجلى في تضارب الاختصاصات والتناقضات الصارخة بين المقاربات الوزارية في التعامل مع هذا العقار الفريد.
وأضاف :' المتأمل في واقع التدبير العمومي لمنطقة مرزوكة يجد نفسه أمام "مفارقة إدارية" غريبة تقسم الرؤية الرسمية إلى ثلاثة اتجاهات متناقضة:
*وزارة السياحة: تصنف المآوي والمؤسسات السياحية المحاذية للشريط الرملي كركائز للمنتوج السياحي الوطني، وتعتمد عليها في الترويج لصورة المغرب عالمياً.
*وزارة الداخلية (عبر المديرية العامة للجماعات الترابية): رخصت من خلال الجماعات المحلية، بإقامة واستغلال هذه المؤسسات والمشاريع السياحية، مما منح المستثمرين الشباب غطاءً قانونياً محلياً لمباشرة أنشطتهم وتطوير المنطقة.
*وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات: تدخلت أخيراً عبر مسطرة تحفيظ العقار (لفائدة الملك الغابوي)، مستندة إلى هذا المرسوم الذي يلغي و لا يعترف بوجود أملاك شخصية أو استثمارات على العقار المراد تحفيظه.وختم تصريحه بالقول :إن هذا التحديد يضرب عرض الحائط عقوداً من التضحيات والمجهودات التي بذلها أبناء المنطقة فالتحفيظ يهدد العمود الفقري للاقتصاد المحلي؛ فمرزوكة تعيش بأكملها، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، على عائدات هذا الإرث الطبيعي. وتحفيظ الرمال بطريقة ما تُقصي الواقع الاستثماري والاجتماعي مما يعني وضع قيد على مصدر الرزق الوحيد لآلاف الأسر، فحماية البيئة والموروث الطبيعي مطلب مشترك، لكن لا يمكن أن يتأتى ذلك بتهميش المكون البشري الذي كان سبباً في إشعاع المنطقة، وتحويل "تحفيظ الأرض" إلى وسيلة لخنق الاستثمار المحلي ويجب إيجاد صيغة قانونية مرنة تحمي الرمال كإرث بيئي وتضمن في الآن ذاته استمرارية الأنشطة السياحية التي تشكل عصب الحياة ،فالرمال ليست مجرد عقار يسهل تحفيظه بجرة قلم، بل هي تاريخ، وهُوية، ومصدر عيش كريم لأجدادٍ صمدوا، وشبابٍ أبدعوا للعالم في لوحة سياحية تستحق الدعم والتقنين، ولا للتضييق والاقصاء.
وفي ذات السياق قال يوسف اوسو من قبيلة أيت خباش بقصر مزگيدة بالريصاني ،نحن كقبيلة آيت خباش حفدة وابناء ، أبا عن جد ،نرفض رفضا قاطعا ما تتعرض له اراضينا من نوايا مدسوسة في محاولة لتمليكها. لأن هذه الأرض بمثابة هويتنا وملاذنا وارثنا التاريخي، مستنكرا أن يُجازى بهذا الشكل من كانوا السباقين في المسيرة الخضراء ومحاربة المستعمر.
السيد محمد عمراوي نائب رئيس الجمعية المهنية للمؤسسات السياحية بمرزوگة بدوره قال : نؤكد رفضنا القاطع لأي مطالبة من طرف إدارة المياه والغابات في كل ما يمس أرض أجدادنا، باعتبارها أرضًا موروثة ومتجذرة في تاريخ أسرتنا وجماعتنا. ونتمسك بحقوقنا المشروعة فيها، ونرفض أي إجراء يمس ملكيتنا أو انتفاعنا بها، مع احتفاظنا بحقنا في الدفاع عن هذه الحقوق بالوسائل القانونية.
وتبقى المشكلة قائمة لحد الساعة ما لم تتدخل الدولة لفك النزاع بين الإدارة والمواطن حتى تسير الامور بشكلها الطبيعي ويستفيد الجميع من التنمية .
|
|