يوسف قموش كاتب و اعلامي مقيم باسبانيا / جديد انفو
يتداول أهل الجنوب الشرقي مثلا أمازيغيا قديما يقول: "ازيارن ن دادس إيد أكرزن دادس"، أي أن عجول دادس هي الأجدر بحرث أرض دادس. ولم يكن هذا المثل مجرد تعبير عابر أو حكمة شعبية تطلق على عواهنها ، بل هو خلاصة تجربة تاريخية طويلة تؤكد أن أهل الأرض هم الأعرف بخصوصياتها، والأقدر على تشخيص مشاكلها، والأجدر بالدفاع عن مصالحها. فخبرة المجال لا تكتسب من بعيد، وإنما تنبع من المعايشة اليومية ومن الإحساس الحقيقي بالانتماء.
ولعل هذا المثل ينطبق اليوم بشكل كبير على دائرة ألنيف (ثلاث جماعات وهي حصيا و النيف و مصيصي)، التي ظلت منذ تأسيسها مجالا تابعا لتوازنات سياسية وانتخابية تصنع خارج حدودها. فغالبية الذين كانوا يتصدرون الحديث باسمها أو يمثلونها داخل المؤسسات لم يكونوا في الأصل أبناء المنطقة، ولم يكن يربطهم بها سوى استغلال ذلك الخزان الانتخابي الذي كانوا يعودون إليه كلما اقترب موعد الاستحقاقات، مستفيدين في ذلك من تعاون بعض الباحثين عن المصالح الشخصية من أبناء المنطقة.
وليس من الصعب ملاحظة الفارق التنموي النسبي بين منطقة ألنيف وبعض الجماعات المجاورة، مثل الجرف أو أرفود مثلا ، وهو فارق يدفع إلى طرح أسئلة مشروعة حول طبيعة التمثيل السياسي الذي حظيت به المنطقة عبر عقود، ومدى قدرة ذلك التمثيل على الدفاع الحقيقي عن مصالح الساكنة. ولطالما كان السؤال يتردد بين أبناء ألنيف: أليس في هذه الدائرة من هو أهل لتمثيلها داخل المؤسسات المنتخبة؟ أليس من بين أبنائها من يمتلك الكفاءة العلمية والخبرة والنزاهة للدفاع عن قضاياها، دون الحاجة إلى انتظار شخص قادم من خارجها ليقدم نفسه وصيا على همومها؟ اليوم تبدلت المعطيات بشكل واضح، فقد تغيرت العقليات، وارتفع مستوى الوعي السياسي، وأصبحت الأجيال الجديدة أكثر إدراكا ووعيا من الأجيال السابقة بآليات العمل السياسي وبطبيعة المصالح التي كانت تتحكم في الكثير من الاختيارات الانتخابية.
ولم يعد شباب المنطقة يصدقون تلك الأساطير السياسية التي كانت تروج لآبائهم حول أسماء بعينها ، لقد أدرك أبناء المنطقة أن مستقبلهم لا يمكن أن يبنى على انتظار الآخرين، وإنما على الاستثمار في كفاءاتهم المحلية، وفي أبنائهم الذين شقوا طريقهم في ميادين العلم والمعرفة والخبرة المهنية والسياسية . وقد سبق للدكتور محمد مرتو ابن المنطقة أن حاول كسر هذه القاعدة عندما خاض الانتخابات البرلمانية، حاملا مشروعا نابعا من المنطقة نفسها، غير أن تجربته اصطدمت آنذاك بواقع انتخابي كانت تتحكم فيه قوة المال أكثر مما تتحكم فيه قوة البرامج والأفكار، في وقت كانت فيه نسبة كبيرة من سكان ألنيف تعاني من الفقر والهشاشة، الأمر الذي جعلهم هدفا سهلا لمن اعتادوا توظيف النفوذ والإمكانات المالية لحصد الأصوات.
الزمن تغير، وما كان ممكنا بالأمس لم يعد بالضرورة ممكنا اليوم، فالوعي الذي انتشر في أوساط ساكنة ألنيف خلق عقلية جديدة تؤمن بأن التنمية تبدأ من تمكين أبناء المنطقة من الدفاع عن منطقتهم، وأن زمن الارتهان للغرباء يقترب من نهايته. وفي هذا السياق يبرز اسم جديد يحمل الطموح نفسه والإحساس ذاته بالانتماء، إنه الدكتور جمال أوملال، دكتور جراحة الأعصاب والدماغ، الذي اختار أن يستأنف المسيرة، وأن يبرهن من جديد على أن ألنيف لم تعد مجرد حظيرة انتخابية تستغل أصواتها كلما دقت ساعة الاقتراع، وإنما أصبحت خزانا للكفاءات، ومصدرا لمبادرات محلية واعدة، وقادرة على إنتاج نخبها السياسية بنفسها. إن المسألة اليوم لا تتعلق بشخص بعينه بقدر ما تتعلق بخيار تاريخي أمام ساكنة ألنيف.
فإما أن تنخرط المنطقة في مرحلة جديدة يكون عنوانها تمكين الكفاءات المحلية وإعطاء الأولوية لأبناء الأرض، بما يفتح آفاقا تنموية يستفيد منها الجميع، وإما أن تستمر في الدوران داخل الحلقة نفسها، حيث تبقى مجرد رصيد انتخابي يستغل من طرف أشخاص لا يرون في المنطقة سوى وسيلة لتنمية مشاريعهم الخاصة وتضخيم أرصدتهم. إن الفرص الحقيقية لا تأتي كل يوم، والتاريخ لا يمنح المجتمعات فرصا متكررة بالوتيرة نفسها، ولذلك فإن ما تعيشه جماعة ألنيف اليوم يستدعي قدرا كبيرا من التريث، والتفكير العميق، واستحضار المصلحة العامة بعيدا عن الحسابات الضيقة.
فالقرار الذي سيتخذه أبناء المنطقة لن يرسم فقط ملامح محطة انتخابية عابرة، بل قد يرسم مستقبل ألنيف لعقود قادمة، ويحدد ما إذا كانت الجماعة ستنتقل إلى مرحلة جديدة من الاعتماد على كفاءاتها المحلية، أم ستظل رهينة منطق الوصاية السياسية القادمة من خارج حدودها.
|
|