محمد جرو-الطنطان / جديد أنفو
ونحن على مرمى حجر من العودة للهدوء وللروتين ،استمتعنا وشاهدنا وسمعنا ورأينا لمدة قاربت الثلاثين يوما من كأس أمم أفريقيا ،حزمة مشاهد وصور ستبقى للتاريخ وللذكرى ،وستمحى الكثير منها ..
بيد أنه إذا كان من تميز لهذه النسخة 35 ،في جوانب تنظيمية وملاعب عالمية لم تستخدم فيها "الكراطة"لشفط مياه الأمطار الغزيرة ،فهو بالقطع المشجع الكونگولي Michel Nkuka Moboladinga،الذي رسم معالم مشجع جديد ،وجعلنا نقف للإصغاء بروحانية وصمت عميق وسط هرج وهتافات الجماهير ،تختلط فيها الحناجر حتى لاتكاد تفرق بين من يسب ومن يصيح..هو من أرسل رسائل لهؤلاء القادمين لأفريقيا شمالا أو العائدين أو ذويهم ،أن القارة ليست كرة وهستيريا وتنابز وتنافس ،هي علال بن عبد الله ،فرحات حشاد ،عمر المختار ،بن باديس،نيلسون مانديلا ،باتريس لومومبا ...الذي يجسده قبل كل مباراة بالمدرجات مجلجلا مخيلاتنا بصور المناضلين و المقاومين وصناع ثروة وثورة أفريقيا التي يرى منها كثيرون معادنها وكرتها فقط،هي رسائل إنسانية تفاعل معها كل من أحسها فعلا ..واستفزت فينا أسئلة واستفسارات...
ميشيل هذا المشجع الاستثنائي لم يأت للمدرجات ليصرخ فحسب، بل جاء ليُذكّر.بأن الزعيم المغتال،من المعمر البلجيكي ،كما رفاقه بمختلف نقط هذه القارة ، باتريس لومومبا ،ضمير أفريقي يأبى النسيان وليس leader وهكذا ،هو ذلك الأفريقي الذي رفض الخضوع والخنوع ودفع حياته ثمنا غاليا ،لذلك فالصور هي ربط للرياضة كذلك بالمقاومة بالكرامة ،كما شهدت بذلك مدن البيضاء مع الملاكمة وفرق الطاس وغيرها ،وتونس وباقي المداشر الأفريقية ..هو طرح للرياضة أنها عنوان للكرامة والهتاف بالوعي لرد المستعمر ورفضه ..
يجب على المغاربة ومعهم كل الأفارقة ،وبموضوعية وحياد ،ومن هنا من العاصمة الرباط ،أن يعبدوا لتاريخ مشترك عصي عن التزوير والتخوين ، فهذا المشجع النموذجي أعاد الإلتحام بين التاريخ الأفريقي المشترك والدور المحوري الذي لعبه المغرب،الملك الراحل محمد الخامس، حين لم تكن الرباط مجرد عاصمة، بل كانت فضاءً للنضال، وملاذًا للمناضلين الأفارقة، وصوتًا عاليًا في زمن الصمت. بذلك، يتحول التشجيع إلى جسر رمزي يربط الكونغو بالمغرب، والملعب بالتاريخ، والحاضر بذاكرة التحرر.
إن ما يقدمه Michel Nkuka Mboladinga هو نموذج نادر لما يمكن أن تكون عليه الثقافة الجماهيرية حين ترتقي. تشجيع يحمل موقفًا، وحضور يبعث رسائل ، وسلوكيات ،يجب أن تستمر إلى جانب شذو وأناشيد النضال للأترات حتى لايخال الآخر ،ومن في "كرشه"عجينة أن كرة القدم "إلهاء"و"أفيون "ومجردة تنفيس جماعي إجتماعي ينتهي بانتهاء صافرة الحكم والمباراة ..
ميشيل أعاد لنا التأكيد أن المدرجات ليست فقط فضاءً للفرجة، بل مجالًا للتعبير الحضاري والإمتنان والإنتماء الواعي. هنا، لا تكون الرياضة منفصلة عن القيم، ولا يكون الجمهور مجرد كتلة صاخبة، بل فاعلًا ثقافيًا يساهم في بناء المعنى.وهذا جوهر الرياضة الأخلاقي بعيد عن قواعد وتمرينات وتدريبات فقط ..والتشجيع بهذا المعنى ،خطاب وليس صراخ في الهواء ،ووعي من داخل الإندفاع ..
هكذا نفهم أن التشجيع ليس صراخًا فقط، بل خطاب.
الاحتفاء بـ Michel Nkuka Mboladinga أمرًا مستحقًا،وإذا كانت الكاف وعقب كل مباراة تختار "لاعبا "وتمنحه صفة الأفضل ،فإننا نختار Michel أيقونة والأفضل في تاريخ الكان لحد الساعة ،ويحب أن يكرم بما يستحق نهاية النسخة وعلى البوديوم..
ليس من باب المجاملة، بل من باب الاعتراف بقيمة رمزية نادرة. احتفاءً بمشجع جسّد أفريقيا الواحدة، وأفريقيا المتضامنة، وأفريقيا التي تكتب تاريخها حتى من قلب المدرجات،ولأن المغرب، الذي شكّل تاريخيًا أرضًا للتحرر والتلاقي، أحقّ بأن يحتضن هذا النموذج ويقدّمه كرسالة خلال CAN 2025،فنقول لMichel شكراً ونرفع له القبعة ولكل من تجاوز عقدة الإقليمية الضيقة ،ونبذ وقطع وتر التخلف وارتقى بكلامه وتشجيعه وفيدوهاته وسلفياته عن الإبتذال والسوقية .
|
|