زايد جرو - الرشيدية /جديد انفو
في ظل الحوارات التي تجريها جديد انفو مع فاعلين سياسيين وحقوقيين وجمعويين ونقابيين كلما حل حدث وطني ما، تستضيف الجريدة اليوم *عبد الله السوهير الخبير في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني حيث وجهنا له اسئلة مركبة حول التشكيلة الجديدة للحكومة وانتظارات ساكنة الرشيدية من المنتخبين.الاستاذ عبد الله السوهير لم يبخل علينا بالجواب كالعادة والاسئلة كانت على الشكل الآتي .
السؤال الأول: بعد الوعود التي رفعها المرشحون خلال الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، ما الذي ينتظره المغاربة اليوم من الحكومة؟
ج .أعتقد أن المغاربة لم يعودوا يكتفون بالشعارات الانتخابية أو بالوعود التي تُقدَّم خلال الحملات، بل ينتظرون نتائج ملموسة تنعكس على حياتهم اليومية. فالمواطن يريد فرص عمل مستقرة، ودخلًا يضمن له العيش الكريم، وتعليمًا جيدًا لأبنائه، وخدمات صحية تحفظ كرامته، وإدارة فعّالة تستجيب لانشغالاته، وعدالة اجتماعية تضمن تكافؤ الفرص.
ويتمثل التحدي الأساسي في تحويل الالتزامات الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ، بأهداف واضحة وآجال محددة ومؤشرات تسمح بتقييم النتائج، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتظل الأولويات الأكثر إلحاحًا هي التشغيل، والصحة، والتعليم، والسكن، والقدرة الشرائية، ودعم الشباب والفئات الهشة، إلى جانب تحسين الخدمات في المناطق القروية والبعيدة عن المراكز الاقتصادية.ولا يمكن الحديث عن تنمية وطنية متوازنة دون إيلاء العدالة المجالية مكانة أساسية. فالمطلوب هو ألا تظل الاستثمارات وفرص الشغل متركزة في عدد محدود من المحاور، بينما تواجه مناطق أخرى ضعف البنيات التحتية ومحدودية فرص الإدماج الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، تحتاج جهة درعة تافيلالت وإقليم الرشيدية إلى رؤية تنموية مندمجة تشمل تأهيل الطرق، وتحسين النقل والخدمات الأساسية، وتشجيع الاستثمار المنتج،وتثمين المؤهلات الفلاحية والسياحية والواحية، وخلق فرص حقيقية للشباب.
وبالنظر إلى أن نتائج الانتخابات أُعلنت وأن مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة كانت لا تزال جارية في بداية أكتوبر 2026، فإن المرحلة المقبلة تقتضي وضوحًا في الأولويات والالتزامات، ثم نشر حصيلة دورية تتيح للمواطنين معرفة ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك. فالرهان ليس في تقديم برنامج حكومي فقط، بل في إحداث تغيير ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.
السؤال الثاني: هل نحن أمام مرحلة جديدة لاستعادة الثقة في العمل السياسي، أم أن استمرار الفجوة بين الوعود والإنجازات قد يعمّق عزوف المغاربة عن المشاركة السياسية؟
ج .نحن أمام مرحلة مفصلية في علاقة المواطن بالعمل السياسي. فهناك إمكانية لاستعادة الثقة، لكن هذه الإمكانية ستظل محدودة إذا لم تُترجم الوعود إلى نتائج ملموسة. فالثقة لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل بالمصداقية، والوفاء بالالتزامات، والإنصات لانشغالات المواطنين، والقدرة على معالجة مشاكلهم الحقيقية.
حين يلاحظ المواطن أن صوته الانتخابي يساهم في تحسين الخدمات وخلق فرص الشغل وتطوير محيطه، فإنه يستعيد الإحساس بجدوى المشاركة. أما إذا تكررت الوعود دون نتائج واضحة، فقد يتولد لديه شعور بأن المشاركة لا تؤثر في واقعه، وهو ما يمكن أن يدفعه إلى العزوف عن الحياة السياسية.
وتظهر هذه الفجوة بوضوح أكبر في المناطق التي تعاني تفاوتات مجالية، حيث لا تقتصر انتظارات السكان على تحسين الخدمات الاجتماعية،بل تشمل أيضًا الحق في التنمية والبنيات التحتية وفرص الشغل والاستقرار داخل مناطقهم. فعندما يجد الشاب في إقليم الرشيدية فرصًا محدودة للعمل والاستثمار، قد يفكر في الانتقال إلى مدن أخرى بحثًا عن مستقبل أفضل. وتُعد الهجرة الداخلية ظاهرة متعددة الأسباب، لكنها تطرح سؤالًا مهمًا حول قدرة السياسات العمومية على توفير شروط العيش الكريم في مناطق الانطلاق واستعادة الثقة مسؤولية مشتركة، فالحكومة مطالبة بتنفيذ البرامج وتوضيح نتائجها، والأحزاب مطالبة بالحضور والتأطير المستمرين بدل الاقتصار على مواسم الانتخابات، والمنتخبون مطالبون بالتواصل المنتظم وتقديم حصيلة واضحة، مع شرح ما تحقق وما تعذر تنفيذه وأسباب ذلك، كما ينبغي أن يكون تقييم الأداء مبنيًا على معطيات قابلة للتحقق، لا على الانطباعات أو الخطابات. لذلك، فإن استعادة الثقة لا تتحقق بمجرد دعوة المواطنين إلى المشاركة، بل بإثبات أن المؤسسات قادرة على الاستماع والاستجابة والمحاسبة ،وكلما تقلصت الفجوة بين الوعود والإنجازات، ازدادت فرص بناء علاقة سياسية أكثر مصداقية ومسؤولية.
السؤال الثالث: ماذا تنتظر ساكنة إقليم الرشيدية من البرلمانيين الفائزين؟ وهل سيتحملون مسؤولية وعودهم السياسية والأخلاقية؟
ج .تتجاوز انتظارات ساكنة إقليم الرشيدية الوعود الانتخابية التقليدية؛ فهي ترتبط بالحاجة إلى تحول تنموي حقيقي يحسن ظروف العيش، ويوفرفرص الشغل للشباب، ويرتقي بالخدمات الصحية والتعليمية، ويعزز جاذبية الإقليم للاستثمار. وينتظر السكان من ممثليهم أن ينقلوا انشغالاتهم إلى المؤسسة التشريعية، وأن يدافعوا عنها من خلال الأسئلة البرلمانية، ومقترحات القوانين، ومراقبة العمل الحكومي، والترافع من أجل المشاريع التي تحتاج إليها المنطقة.
وتشمل الأولويات كذلك تدبير الموارد المائية، ودعم الاقتصاد المحلي، وتشجيع المقاولات والاستثمار المنتج، وتأهيل البنيات التحتية، وتحقيق العدالة المجالية بين مختلف جماعات الإقليم. كما تبرز قضية الربط الطرقي باعتبارها مدخلًا مهمًا للتنمية؛ فضعف الربط أو طول مدة التنقل يرفع كلفة نقل السلع، ويؤثر في تنافسية الأنشطة الاقتصادية، ويحد من إمكانات السياحة وتسويق المنتجات المحلية،ومن هنا، ينبغي أن يتحول تطوير المحاور الطرقية الرابطة بين الرشيدية والمدن والمراكز الاقتصادية المجاورة إلى ملف واضح للترافع والمتابعة ،ويقتضي ذلك المطالبة بتقييم الحاجيات، وتحديد المشاريع الممكنة وأولوياتها وآجالها ومصادر تمويلها، بدل الاكتفاء بوعود عامة. ففك العزلة ليس مطلبًا تقنيًا فحسب، بل يمكن أن يسهم في تحفيز الاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتحسين تنقل السكان، وتعزيز اندماج الجهة في لدينامية الاقتصادية الوطنية.وتزداد أهمية هذه الملفات بالنظر إلى الخصوصية المجالية لجهة درعة تافيلالت وبعد أجزاء منها عن المراكز الاقتصادية الكبرى. إن استمرارانتقال الشباب نحو مناطق أخرى بحثًا عن فرص أفضل لا يمكن اختزاله في عامل واحد، لكنه يبرز الحاجة إلى مقاربة شمولية تجمع بين تأهيل الطرق، وتحفيز الاستثمار، وتطوير التكوين المهني، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، وتثمين المؤهلات الفلاحية والسياحية والواحية،ومواكبة المقاولات المحلية.
أما بخصوص مسؤولية البرلمانيين عن وعودهم، فمن الضروري التمييز بين ما يدخل ضمن صلاحياتهم المباشرة وما يتطلب تدخل الحكومة أوالجماعات الترابية أو مؤسسات أخرى. فالبرلماني لا يستطيع حل جميع المشكلات بمفرده، لكن ذلك لا يعفيه من مسؤولية التشريع والمراقبة والترافع والتواصل مع الساكنة. كما أن المسؤولية تقتضي تقديم حصيلة دورية، وتوضيح المبادرات التي اتُّخذت، والعراقيل التي ظهرت،والنتائج التي تحققت بالفعل ،ولا ينبغي أن تنتهي العلاقة بين الناخب والمنتخب بانتهاء الحملة الانتخابية؛ بل يجب أن تستمر من خلال قنوات تواصل منتظمة ومواعيد واضحة لتقييم الالتزامات. فالاختبار الحقيقي للبرلمانيين لن يكون في عدد الوعود التي قدموها، بل في قدرتهم على تحويلها إلى ملفات قابلة للتتبع والتقييم، ومبادرات واقعية، ونتائج يشعر بها المواطن.
خاتمة عامة
يحتاج المغرب، ومن ضمنه إقليم الرشيدية وجهة درعة تافيلالت، إلى ممارسة سياسية تجعل المواطن محور العمل العمومي، وتعيد الاعتبار لقيمة الالتزام والوفاء بالوعود. فالانتخابات ليست نهاية العلاقة بين الناخب والمنتخب، بل بداية مرحلة جديدة من المسؤولية والتعاقد السياسي والأخلاقي.
إن فك العزلة الطرقية، وتحسين الخدمات الأساسية، وخلق فرص الشغل، وتحفيز الاستثمار، والحد من أسباب الهجرة الاضطرارية، وتحقيق العدالة المجالية، كلها قضايا مترابطة تحتاج إلى رؤية واضحة وإرادة في التنفيذ وتقييم مستمر للنتائج. ولا تعني العدالة المجالية أن تحصل جميع المناطق على المشاريع نفسها، بل أن تتوفر لكل منطقة الشروط الضرورية للتنمية، وأن يحظى المواطن، أينما كان، بفرص حقيقية للعيش الكريم وبناء مستقبله.
وفي نهاية المطاف، لا تُقاس التجربة السياسية بالخطب والشعارات، بل بالنتائج التي يلمسها المواطن في حياته اليومية. لذلك، ينبغي أن تتحول الوعود الانتخابية إلى التزامات عملية قابلة للتقييم والمحاسبة، وأن يصبح التواصل مع السكان ومصارحتهم بالإنجازات والتحديات جزءًا ثابتًا من العمل السياسي.
عبد الله السوهير
*رئيس شبكة الجمعيات التنموية بواحات الجنوب الشرقي.
*نائب رئيس الشبكة المغربية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
* نائب رئيس الشبكة الأفريقية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
|
|