د.لحسن الجكاني /جديد انفو

بعد قرابة ثلاثين سنة في المهنة، ما زلت أتذكر تلك الأيام الأولى حين دخلت القسم وأنا أحمل معي حُلماً كبيراً ودفتراً صغيراً، لم أكن أعلم أنني سأقضي عقوداً كاملة أرى فيها المناهج تُولد وتُقتل، والمشاريع تُطلق وتُنسى، والوعود تُقال وتتبخر، واليوم، وأنا أقف على مشارف نهاية مسيرتي، أجدني أمام تجربة فنلندا كمن يقف أمام مرآة يرى فيها كل ما كنا نستطيع أن نكون عليه، وكل ما فرّطنا فيه.

1- التخبط عندنا... والثبات عندهم

أثناء تكويني في المدرسة العليا للأساتذة  تعلمنا الدرس الأول من دروس المهنة: " لا تتعلق بمنهج، ولا تحفظ مرجعاً، ولا تبنِ على مشروع، لأن الانتخابات قادمة، والوزير الجديد سيأتي بمشروعه الجديد، والوزارة الجديدة ستأتي بتعليماتها الجديدة، رأيت بعيني مناهج تُبنى في سنوات، وتُلقى في سلة المهملات في أشهر، رأيت مرجعيات تُفرض ثم تُسحب، وكتباً تُطبع ثم تُترك في المخازن لأن "المقاربة تغيّرت". والإصلاح عندنا، في الغالب، لا يُبنى على تشخيص علمي، بل على مزاج وزير، أو إملاءات جهات خارجية لا تعرف لا لغتنا ولا تلاميذنا ولا واقعنا كما كانت أيام مقررات بوكماخ رحمة الله عليه .

في فنلندا، الأمر مختلف من جذوره، السياسة التعليمية هناك مسألة وفاق وطني استراتيجي، ٠لا تتغير بتغير الحكومات، المناهج تُصاغ عبر دراسات عميقة ومشاركة الميدانيين، لا عبر مكاتب استشارية أو تعليمات فوقية، والمراجع ثابتة، والكتب مستقرة، والمعلم هناك يملك حرية اختيار الأدوات والطرق، بينما نحن نُسلَّم له "دليل الأستاذ" ليتبعه حرفياً، وكأنه آلة تُشغَّل بزر.

2- المعلم عندنا... والمعلم عندهم

لن أتحدث عن الأجر و الحقوق و التحفيزات ..!! فهذا حديث طويل و ذو شجون، لكن سأتحدث عن الكرامة المهنية، في بلدنا الحبيب المغرب، صار المعلم موضع شك دائم: لجان التفتيش، والتقارير، والزيارات المفاجئة، والمساءلة على كل صغيرة وكبيرة، ثم يقال لنا "كن مبدعاً"!!!. وكيف نُبدع ونحن مطالبون بتطبيق تعليمات لا تُحصى، وتعبئة جداول لا تنتهي، وتوثيق ما لا قيمة له بيداغوجياً؟

في فنلندا، مهنة التدريس تُعامل بهيبة القضاء والمحاماة و حاجة الطب و الهندسة و ثروة البنوك و المناجم.. إذ لا يُقبل فيها المتعاقدون أو الموظفون من مواقف المعطلين إلا بعد انتقاء و تكوين و لا يقبل إلا حاملو الإجازة على الأقل و بامتياز، أو الماستر، تمنح الدولة ثقتها الكاملة للمعلم، وتغيب لجان التفتيش البيروقراطية أحيانا، المعلم هناك يُدير قسمه، ويبتكر أساليبه، ويُقدَّر مجتمعياً، له هيبته المعنوية، واستقراره المادي السكن،منح الدراسة لأبنائنه وسيلة نقل محترمة، قدرة على قضاء عطل صيفية ...و غيرها من الحقوق لا الامتيازات..  

فعندنا؟ يُطالب بالمعجزة، ويُحاسب على النتيجة، ويُحاصر بالورق.

3- الهوية... بين الضياع والترسيخ!

نحن نتحدث كثيراً عن الهوية المغربية و البلد المسلم الأمازيغي /العربي، السني المالكي ، لكننا نتصرف في مناهجنا بما يُفقد هذه الهوية معناها، بل و يمييع ذلك المفهوم، إذ تُغيَّر المواد، وتُقلَّص الحصص، وتُلغى المرجعيات، ويأتي "الخبراء" أحياناً بمفاهيم غريبة عن مجتمعنا لا نعرف من أين جاءت ولا لماذا، الطفل المغربي المسلم يخرج أحياناً من المدرسة لا يعرف المعلوم من دينه بالضرورة و لا ترسانة الأخلاق التي تحمي استقراره و كيانه، كما لا يعرف تاريخ بلده جيداً، لكنه يعرف بعض المصطلحات المستوردة التي لا صلة لها ببيئته، بلغة أهل تافيلالت "كايْدَرْوْسوه مْسيكين " أي يصير تائها . 

أما في فنلندا، الهوية واللغة والتراث والطبيعة جوهر التربية، يُدرَّس التاريخ الوطني والمحلي، ويُعتز باللغة الأم، ويُنزل الأطفال إلى الغابات و يصعدون إلى الجبال ضمن الأنشطة اليومية أو الموسمية ، هناك ارتباط عميق بالبيئة والجغرافيا.

 وعندنا؟ نُبعد الطفل عن محيطه، ونُلقنه ما لا يشبهه، ثم نتعجب لماذا فقد الانتماء.

4- التوقيت... والطفولة المسروقة..

أطفالنا يبدأون يومهم في السابعة صباحاً، يجرّون حقائب أثقل من أجسادهم،وأذكر أننا كنا نحمل لوحة و طبشور و دفتر و ريشة و مقرر بوكماخ أو bien lire et comprendre.. أما الدوام اليوم فيمتد ساعات طويلة، والواجبات تنتظر في البيت، والعطل غير مفهوم توقيتها وقصيرة.

في فنلندا، يبدأ اليوم الدراسي بين الثامنة والنصف والتاسعة، والدوام لا يتجاوز أربع إلى خمس ساعات في الابتدائي، وينتهي بين الواحدة والواحدة والنصف، الواجبات تكاد تكون معدومة، وعطلة نهاية الأسبوع مقدسة.

عندنا، من يتحدث عن تقليص ساعات الدراسة يُتهم بالتقصير، لكن الحقيقة التي نعرفها نحن المدرسون: عقل الطفل لا يستوعب أكثر من أربعين دقيقة، ثم يحتاج راحة. في فنلندا، يدركون هذه الحقيقة: 45 دقيقة درس، ثم 15 دقيقة راحة ولعب في الهواء الطلق، أربع إلى خمس مرات يومياً، عندنا، لا شيء من هذا، نُكدّس الحصص، ونحرم الطفل من اللعب، ثم نلومه على عدم التركيز.

5- المجانية... والعدالة

في المغرب، التعليم العمومي مجاني على الورق، لكنه ليس كذلك في الواقع، فقد صار الخصوصي شبه إلزامي لبعض أسر المدن و الدروس الخصوصية، واللوازم، والكتب، والنقل، والوجبات... كلها أعباء على الأسرة المغربية والنتيجة: من يستطيع يدفع، ومن لا يستطيع ينتظر، التعليم الخاص يزدهر، والفوارق الاجتماعية تتسع.

في فنلندا، لا وجود لأقساط في المدارس الخاصة، جميع التلاميذ يحصلون على غداء ساخن مجاني، وكتب، وأدوات، وحتى أجهزة لوحية،الدروس الخصوصية التجارية تكاد تكون منعدمة، لأن المدرسة العمومية توفر الدعم الفردي داخل الفصل، عندنا، صار الدعم الفردي ترفاً، والدروس الخصوصية ضرورة.

6- الطفل... بين الرعب والرعاية

في المراحل الأولى عندنا، الامتحانات تبدأ مبكراً، والتنافس يُفرض، والمقارنات تُجرح. الرسوب موجود، والطفل المتعثر يُحاسب وكأنه المذنب الوحيد. في فنلندا، لا امتحانات ضاغطة في السنوات الأولى، ولا رسوب، ولا مقارنات محبطة، التعثر مسؤولية المنظومة، وليس عيباً في التلميذ، يتم رصد أي صعوبة فوراً ومعالجتها بمعلم متخصص داخل الفصل، التعليم الإلزامي يبدأ في السابعة، واللعب هو الأساس قبله.

7- الانضباط الرقمي... والهواتف

عندنا، الهاتف الذكي صار جزءاً من القسم، وأحياناً عائقاً للتعلم. لا ضوابط صارمة، ولا رؤية واضحة، في فنلندا، يُمنع الهاتف منعاً باتاً أثناء الدروس، والمدرس يملك حق مصادرة الجهاز فوراً، بعض المدارس تمنعه حتى في الاستراحات، للحد من التنمر الإلكتروني، وتشجيع التواصل المباشر.

8- المهارات الحياتية... والحياة

في مناهجنا، المواد "العملية" مثل الطبخ والخياطة والنجارة إما مهمشة أو اختيارية، في فنلندا، جميع الطلاب يتدربون عليها، بنين وبنات، الرياضة والأنشطة البدنية يومية وإلزامية، بغض النظر عن الطقس، الرسم و الفنون والمسرح مواد أساسية، لا ترفيهية، عندنا، هذه المواد أول ما يُضحى به عند "تقليص" الحصص.

خلاصتي بعد تجربتي المتواضعة: هي أن التعليم في فنلندا ليس سحراً، ولا معجزة، هو ببساطة: ثبات، ثقة، احترام، مجانية حقيقية، دعم مبكر، وطفولة محمية..

أما عندنا مع كامل الأسف نمتلك الكفاءات، والطاقات، والعقول، لكننا نفتقد الاستقرار، والمرجعية، والثقة في المعلم، والرؤية بعيدة المدى، وبدل أن نبني على ما تحقق، نبدأ من الصفر مع كل وزير، وكل انتخابات، وكل "مشروع مجتمعي" جديد.

لقد علّمت أجيالاً، ورأيت تلاميذ صاروا أطباء ومهندسين ومعلمين، لكنني رأيت أيضاً مواهب تُقتل، وأحلاماً تتبخر، وطفولة تُنهك، وفنلندا ليست الوحيدة، لكنها تبدو لنا كأنها على كوكب آخر، والفرق ليس في الميزانيات وحدها، بل في الإرادة، والرؤية، والاحترام.