جديد انفو / متابعة
في الخامس من أكتوبر لا نحتفي بيوم عابر كالأيام السوالف ، بل نقف إجلالا أمام رجل وامرأة اختارا أن يصنعا من الكلمة نورا، ومن المعرفة طريقًا، ومن القسم المدرسي بدايةً لحكايات لا تنتهي، إنه اليوم العالمي للمدرس، يوم الوفاء لمن حملوا رسالة التعليم، وجعلوا من الفصول الدراسية فضاء لبناء الإنسان قبل بناء العقول.
المعلم ليس مجرد موظف يؤدي ساعات عمله، ولا مجرد اسم في لائحة العاملين بالمؤسسات التعليمية؛ إنه ذلك الصوت الذي رافق خطواتنا الأولى نحو المعرفة، واليد التي أمسكت بأقلامنا حين كانت الحروف تبدو لنا طلاسم غامضة. كم من طفل دخل المدرسة خائفا ومترددا، فوجد في معلمه أبا معنويا يزرع في قلبه الثقة، ويفتح أمامه أبواب الحلم.
وكم من أستاذ ظل سنوات طويلة واقفا أمام السبورة، يشرح ويعيد ويصبر، فيما كانت الأجيال تتعاقب أمام عينيه؛ يغادر تلاميذه مقاعد الدراسة إلى الجامعات والمهن والحياة، ويبقى هو في مكانه، يودع فوجا ليستقبل آخر، وكأنه يزرع أشجارا يعرف أن ثمارها قد لا تعود إليه.
في القرى النائية، كما في المدن، كان المدرس ولا يزال واحدا من وجوه الأمل، حمل حقيبته إلى أماكن بعيدة، قطع الطرقات، قاوم قسوة الطقس وبعد المسافات، وجلس أمام تلاميذ قد لا يملكون من الدنيا إلا دفترا وقلمًا وحلما صغيرا، وهناك، في تلك الفصول المتواضعة، كانت تُصنع التحولات الكبرى في حياة الإنسان.
إن تكريم المدرس لا ينبغي أن يكون مجرد كلمات جميلة تُقال في مناسبة سنوية، بل اعترافا حقيقيا بمكانته، وتحسينا لظروف عمله، وصونا لكرامته، وتوفيرا للمدرسة العمومية بكل ما يجعلها قادرة على أداء رسالتها، فحين نكرم المدرس، فإننا في الحقيقة نكرم مستقبل أبنائنا، ونكرم المعرفة، ونكرم المجتمع الذي نريد بناءه.
أيها المدرس، لك في الخامس من أكتوبر وردة لا تذبل، وكلمة شكر لا تكفيها السطور، لك امتنان كل من علّمته حرفا، وكل من فتحت له نافذة على المستقبل، وكل تلميذ حمل من فصلك الدراسي شيئا من نورك إلى العالم.
فالأوطان لا تبنى بالإسمنت وحده، ولا تُقاس نهضتها بعدد بناياتها، وإنما تُبنى أولًا داخل الفصل الدراسي، على يد مدرس يؤمن بأن وراء كل مقعد صغير إنسانا يمكن أن يصبح غدا عالما، وطبيبا، ومهندسا، وأديبا، ومواطنا صالحا.
كل عام والمدرسون بخير، وكل عام ورسالة التعليم أكثر إشراقا، وكل عام وتظل المدرسة بيتا للمعرفة، ومهدا للإنسان، وجسرا يعبر منه الوطن نحو المستقبل.
|
|