لحسن الجكاني ـالرشيدية /جديد تنفو

 ليس غريباً على الممارس التربوي في حقول التعليم الثانوي والتعليم العالي أن يلمس تحولاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين المتعلم والامتحان، فإذا كان الامتحان في جوهره أداة تقويمية لقياس نتائج التعلم، فقد تحول في العقود الأخيرة إلى غاية في ذاته، وأصبح "النجاح ومعدّلُه" معياراً للقيمة الاجتماعية والأسرية، متجاوزاً بذلك جوهر العملية التربوية المتمثل في بناء الإنسان.

ومن أخطر تجليات هذا التحول، تفشي ظاهرة الغش في الامتحانات، ليس كسلوك هامشي، بل كخيار عادي عند شريحة واسعة من المتعلمين، بل وأسرهم، وقد تفاقمت هذه الظاهرة بتطور الوسائل التكنولوجية، فانتقلت من الأوراق المساعدة "الحروز" إلى الهواتف الذكية والساعات الإلكترونية والسماعات اللاسلكية، وهو ما فرض على الوزارة الوصية سباقاً تقنياً لكشف تلك الوسائل، كان آخر حلقاته هذه السنة، إدخال أجهزة "T3" للخدمة بعدما أثبتت فعاليتها و دقة ضبطها لمختلف تلك الأجهزة بشكل ملحوظ .

سنحاول من خلال هذا المقال مقاربة هذه الظاهر من موقع الأستاذ الممارس، لمحاولة تفكيك ظاهرة الغش باستخدام هذه الوسائل التكنولوجية، ومحاولة قراءة من داخل قاعة الامتحان، ثم اقتراح بعض الحلول، اقتداء بنماذج تقويمية عالمية ناجحة لا تقوم على الضغط النفسي، ولا تعفي النخب السياسية من مسؤوليتها في إنتاج أو تفكيك هذه الأزمة.

*أولاً: قراءة الظاهرة بين العدد والكيف، من القفزة الإحصائية إلى أزمة القيم.*

 

لا يمكن فهم ظاهرة الغش بمعزل عن المعطى الإحصائي الدّال، فحسب ما ورد في بعض المنشورات والتقارير منشورة عبر صفحة Infopro Ma، في 3 يونيو 2026، فإن ارتفاع حالات الغش المضبوطة في الامتحان الجهوي بلغت نسبة 167% مقارنة مع السنة الماضية، مما يتيح لنا قراءة هذا المؤشر، قراءة مزدوجة ومتكاملة، فهو أولا ارتفاع فعلي، يشير إلى فشل نسبي لحملات التوعية والتأطير التقليدية، وإلى تحول الغش إلى سلوك مألوف ثقافياً، داخل الوسط المدرسي !!، وهذا مؤشر خطير، لأنه لا يتعلق بمخالفة قانونية فردية، بل بأزمة في منظومة القيم المدرسية، ثم من جهة ثانية، هو مؤشر على تحسن في الرصد مما يعكس فعالية الوسائل التقنية الجديدة ،كجهاز T3 في كشف حالات كانت تمر دون رصد سابقاً، مما يعني أن جزءاً من القفزة الإحصائية يعود إلى دقة آليات المراقبة.

و يؤكد المراقبون أن واقع قاعات الامتحان يتجاوز هذا التحليل النظري، إذ يتم ضبط عشرات الهواتف والساعات الذكية والسماعات يومياً ، واللافت للانتباه أن التلاميذ والطلاب يدلون بحجج متكررة، كنسيان الهاتف في الجيب وأنه غير مشغل !!، أو أن الساعة عادية، هي فقط لمعرفة الوقت، أو أن السماعة للموسيقى فقط! والمدهش أن العديد من هذه الأدوات تكون مغلقة تماماً أثناء مرور لجنة الفحص بجهاز T3، ثم تظهر فجأة مفتوحة ومتصلة بالإنترنت أو بتطبيقات الذكاء الاصطناعي: ChatGPT، Gemini، DeepSeek وغيرها، بعد نصف ساعة من بداية الامتحان غير أن المراقبين يتممون دور الجهاز في زجر الغش، وهذا السلوك يعكس استراتيجية مدروسة، إدخال الأجهزة مغلقة أو معطلة، لتجنب كشفها، ثم تشغيلها لاحقاً، غير أن بعض المراقبين يضبطون بعضها، بعد مغادرة لجنة T3 مباشرة، مما يؤكد أن التقنية وحدها ليست حلاً سحرياً، فهي تكشف جزءاً من الظاهرة، لكنها لا تستطيع إنتاج النزاهة.

*من أين تبدأ الأزمة؟ مسؤولية النخب السياسية والضغط الاجتماعي*

قبل تحميل المتعلمين وحدهم مسؤولية الغش، الذي صار بحسب تعبيرات بعضهم حقا مشروعا في ظل غياب نزاهة تامة، حسب زعمهم : " كيف تسامح مراقبو ذاك القسم و تشدد آخرون في قسم آخر؟" أو "نحن راقبنا مراقبون "طيبون" سمحوا لنا بالنقلة!! "، وغيرها من التبريرات التي لا يمكن لعاقل أن يبررها ... فقبل هذا وذاك، يجب أن نطرح سؤالاً صريحاً: ما الذي أوصل منظومتنا التعليمية إلى هذا الوضع المرفوض؟

أعتقد أن مسؤولية تفشي ثقافة "النجاح بأي ثمن" لا تقتصر على المدرسة فقط، لقد أسهمت النخب السياسية عبر عقود، بوعي أو بغير وعي، في ترسيخ نموذج مجتمعي قائم على النتيجة لا على الأخلاق والكفاءة وها قرُبَتْ الانتخابات لتذكرنا بأن النجاح للوصول إلى كراسي البرلمان أو ترأس المجالس و الجماعات، دونها الأموال و القبلية وكل الوسائل الأخرى عند البعض !!، فالتلميذ الذي يرى أن النجاح في الامتحان هو البوابة الوحيدة للجامعة أو الوظيفة في ظل بطالة مرتفعة، ثم يرى في الحياة العامة أن المال والمنصب يمكن اكتسابهما بطرق غير قانونية عند البعض، دون عقاب رادع أحيانا، يتعلم بالقدوة أن القيمة الحقيقية هي للنتيجة وليس للوسيلة.

الضغط الاجتماعي والأسري هو المحرك الآخر، فالأسرة التي تعتبر الرسوب، فضيحة أو نهاية الطريق، تدفع بابنها دون قصد نحو تبني أي وسيلة تحقق النجاح، الغش هنا يتحول إلى "وسيلة دفاع عن النفس" ضد نظام اجتماعي لا يرحم.

  حلول مقترحة، مساهمة في العلاج

لا يمكن مكافحة هذه الظاهرة بآليات أمنية فقط، بل بتغيير جذري في فلسفة التقويم والتربية،

 بناء القيم أولاً، وهو تذكير بالثابت الرباني والأخلاقي، وتفعيل التذكير بمراد الله تعالى من عباده : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لتعارفوا إن أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (الحجرات: 13)، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم لآدم، وآدم من تراب"، و" من غش فليس منا "... وهذه النصوص يجب ألا تبقى حبيسة خطب الجمعة أو تلاوات مجودة في المناسبات، بل يجب أن تُدرّس في سياق "المواطنة الأخلاقية" داخل المدرسة، لترسيخ مبدأ أن التفاضل الحقيقي ليس بالنتيجة بل بالتقوى والسلوك القويم، مما يرسخ مبدأ المحاسبة الأخروية والضمير، ويعيد الاعتبار لمفهوم "الرقابة الذاتية" مقابل الرقابة الخارجية، إذ يمكن استلهام مفهوم "المراقبة الإلهية" كقيمة داخلية رادعة، لا كوسيلة تخويف، بل كبناء للوعي بمسؤولية الفرد أمام نفسه وأمام خالقه قبل أي رقيب، ولنا في اليابان أحسن مثال حتى لا يزعم زاعم أن هذا التفكير الديني متجاوز، ففي النظام التربوي في جميع أسلاك التعليم يُلزم الطلاب بدراسة و تمثل الأخلاق بمعدل 36 ساعة في كل دورة، أي حوالي 3 ساعات في الأسبوع، فالنموذج الياباني (التربية الأخلاقية جزء من المنهاج)، حيث تدرّس اليابان "الأخلاق" كمادة مستقلة تركز على "الكوكورو" بمعنى (القلب والإحساس الداخلي)، فالغش في اليابان يعتبر وصمة عار لدرجة أن الطالب الذي يغش يعاقب نفسه بنفسه اجتماعياً، وبدلاً من أجهزة الكشف، يسبق الامتحان "حفل نزاهة" ينظمه الطلاب أنفسهم، كما كان ينظم طلابنا ما كان يعرف ب"أبو المائة" على بعد 100 يوم من الامتحان الوطني يتقمص فيها التلاميذ دور أساتذتهم و يمثلون أدوارهم و ينجزون دروسا لزملائهم، فكان من المخجل أن يُسمع على تلميذ أنه نجح بالغش !!!..

كما يجب الاستفادة من النماذج العالمية الناجحة ذات أنظمة تقويم لا تقوم على الضغط النفسي، مثل النموذج الفنلندي، حيث لا وجود لامتحانات وطنية موحدة ضاغطة، إذ تعتمد فنلندا على تقويم تكويني مستمر، يركز على تعلم الطالب وليس على تصنيفه، والامتحان الوحيد هو في نهاية المرحلة الثانوية "الماتريكيولا" مما يخفف الضغط النفسي ويجعل الغش بلا معنى، لأن التقويم يوزع على أنشطة متعددة ومتنوعة طوال العام الدراسي، الذي يشمل مشاريع ومناقشات وتقارير، يصعب فيها الغش ولا تستحق كثير عناء.

النموذج الكندي (الامتحانات مفتوحة الكتاب): فالهدف في هذا النظام، ليس حفظ المعلومات، بل تنظيمها وتحليلها ونقدها، وهذا يجعل من المستحيل الغش بالهاتف، لأن كل شيء مسموح به، والتقييم يكون على مستوى التفكير، لا على مستوى التذكر.

ومن الحلول التي أعتقد أنها عملية وتوفيقية في سياقنا الحالي، مع وجود الهواتف والضغوط:

1- منع مطلق وإلزامي قبل الامتحان، في ظل تطور هذه الأجهزة، مع مسؤولية الأسرة بالتوقيع على تعهد بعدم إدخال أي جهاز.

2- تحويل دور T3 من رقيب إلى مرافق للنزاهة والإعلان المسبق عن استخدام الجهاز بشكل عشوائي، وليس في كل قاعة وكل وقت، مع إقرار نظام المكافأة للمراقبين على "منع الغش قبل وقوعه، لا على ضبطه.

3- تغيير ثقافة الامتحان، من خلال إدخال أنماط تقويم متنوعة (بحوث، مشاريع، عروض شفهية، تقارير عملية) تمثل 50% من النقطة، بحيث يصبح الامتحان النهائي مجرد عينة بسيطة، هذا يقلل العائد من الغش بشكل كبير.

4- مسؤولية النخب السياسية، إطلاق "ميثاق وطني للنزاهة" توقعه الأحزاب والنقابات والإعلام، يتم بموجبه محاكمة إعلامية أخلاقية لأي مسؤول أو ناخب أو ناشط يثبت تورطه في أي شكل من أشكال الغش أو تزييف النتائج (امتحانات، عقود، مناقصات، صفقات..)، إذ إن إصلاح المدرسة يبدأ بإصلاح قدوة الكبار.

إن الغش في الامتحانات، خاصة باستخدام الهواتف والأجهزة الذكية، ليس مجرد انحراف سلوكي فردي، بل هو مرآة تعكس أزمة مجتمعية ومعرفية وقيمية عميقة، إن أجهزة T3 وغيرها من تقنيات الرصد، مهما تطورت، لن تخلق تلميذا أو طالبا أميناً، الأمانة تُزرع بالتربية في حضن الأسرة والمدرسة والشارع، وتُحمى بنماذج تقويمية عادلة لا تقتل روح الابتكار ولا تمارس عنفاً نفسياً، وتُجسَّدُ بقوانين صارمة لا تستثني الكبار قبل الصغار.

كما أن رصد ظاهرة الغش والتقاط تصريحات التلاميذ أحيانا من صحافة صفراء، أمام المؤسسات وأحيانا من داخلها أمر مرفوض، في استغراب تام حول الجهة التي رخصت لها للدخول أحيانا لمراكز الامتحان!!؟ وهي صحافة تنشر الظاهرة ولا تعالجها ويمكن أن ينطبق على بعضها قول الله تعالى: "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا".. 

إذا أردنا حقاً أن ينخفض عدد الغشاشين، فعلينا أن نساهم في رفع عدد "أهل النزاهة" بالقناعة لا بالخوف، وأن يكرموا لا أن يحرموا، ببلوغ أعلى المناصب في مؤسسات الدولة.. وأن نتوافق جميعاً (المربي والأسرة، والإداري، والسياسي والإعلامي..) في أن وظيفة المدرسة ليست إنتاج "ناجحين في الامتحان"، بل بناء إنسان أهلاً للنجاح في الحياة، مساهما في إعلاء شأن وطنه وحماية مصالحه، وأن يعاد النظر في ولوج المعاهد والكليات والمدارس العليا.. لأن عتبات الولوج تزيد من ذلك الضغط، وتساهم بشكل أو بآخر في الحصول عليها بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة.. 

إن غرس ثقافة النزاهة والضمير المهني كقيم جوهرية في المنظومة التعليمية، ليس أمرا مستحيلا، بل يبدآن ببناء قناعة داخلية لدى التلميذ والطالب بأن التقييم هو أداة لقياس مستواه الحقيقي من أجل تطوير مهاراته، وليس مجرد عقبة يجب تجاوزها بأي وسيلة.