زايد جرو - الرشيدية / جديد انفو
في إطار الحوارات واللقاءات التي تجريها الجريدة الالكترونية 'جديد انفو' مع مسؤولين وإداريين ودكاترة وباحثين وفعاليات مجتمعية، اخترنا اليوم ان نجري اللقاء كتابيا مع الخبير الاجتماعي والتضامني بجهة درعة تافيلالت الجمعوي منذ سنين وصاحب الخبرة الكبيرة في التواصل الأستاذ 'عبد الله السوهير'، لما راكمه من تجارب ميدانية باقليم الرشيدية وبالاقاليم المجاورة وفي علاقاته مع جهات اخرى وطنية ومنظمات عالمية تشتغل في اطار الاقتصاد التضامني والتنموي وإليكم نص الحوار.
السؤال الأول:
في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والنمو الاجتماعي والثقافي 'أي دور للاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تحقيق التنمية بجهة درعة تافيلالت.'؟
الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يعد ركيزةً محوريةً في مسار التنمية بجهة درعة تافيلالت، وذلك من خلال أبعاد متعددة ومتشابكة:
أولاً: الإدماج الاقتصادي للفئات الهشة حيث تتميز الجهة بهشاشة اجتماعية واضحة، إذ تُصنَّف ضمن أفقر الجهات على المستوى الوطني، وهنا تبرز الاقتصاد الاجتماعي بوصفه آلية فعلية لإدماج النساء القرويات والشباب العاطل والفلاحين الصغار في الدورة الاقتصادية. فتعاونيات التمر بتافيلالت، وتعاونيات الورد والزعفران بدادس وتودغى، تُجسّد نماذج ناجحة لتحويل الموارد المحلية إلى ثروة مُشتَركة.
ثانياً: تثمين الموارد الترابية والهوياتية.
تمتلك الجهة إرثاً طبيعياً وثقافياً استثنائياً: واحات النخيل، والزعفران، والتمور المميزة، والصناعة التقليدية الأمازيغية. يتيح الاقتصاد الاجتماعي والتضامني تحويل هذه الموارد إلى سلاسل قيمة محلية، عبر منح شهادات المنشئ الجغرافي وتنمية العلامات التجارية الإقليمية، مما يُعزز التنافسية خارج الجهة بل وخارج المملكة.
ثالثاً: الحدّ من الهشاشة المناخية.
فالجهة تعاني من إكراهات بيئية حادة كالجفاف وتراجع فرشة المياه الجوفية، وهنا يُساهم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في بلورة استجابات جماعية:
* تعاونيات لتدبير الماء.
*مبادرات للزراعة التضامنية .
*مشاريع الطاقة الشمسية بصبغة تعاونية.
رابعاً: تحقيق العدالة المجالية.
وفي غياب مشاريع كبرى للقطاع الخاص الذي يتجنب هذه المناطق بسبب ضعف البنية التحتية وبُعد الأسواق، يمكن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني من المساهمة في ملاء الفراغ وتقلّيص الفجوة التنموية بين المركز والهامش الجغرافي في المغرب.
السؤال الثاني
الأستاذ عيد الله :الاقتصاد الاجتماعي والتضامني تعرقله عقبات بنيوية وتنظيمية تكبح أهدافه التنموية رأيكم في هذه العقبات
على الصعيد البنيوي:
* ضعف البنية التحتية اللوجستيكية : الطرق ومراكز التبريد والتخزين، مما يُعيق تسويق المنتجات الترابية وربط الجهة بالأسواق الوطنية والدولية.
* محدودية الوصول إلى التمويل حيث تعتمد التعاونيات شبه كلياً على المنح العمومية، في ضعف أدوات تمويلية ملائمة كالقروض الميسرة.
*هشاشة الكفاءات البشرية وضعف مستوى التكوين والتأطير الإداري والمحاسباتي والتسويقي لدى المسيّرين.
* العزلة الجغرافية وتُكلّف التعاونيات مبالغ إضافية في النقل والتوزيع.
على الصعيد التنظيمي والمؤسساتي: تشتت الجهات الوصية: توزيع الإشراف بمختلف الوزارات والمؤسسات يُفرز تضارباً في الاختصاصات وضعف التنسيق.
غياب رؤية ترابية متكاملة: فلا توجد استراتيجية جهوية واضحة تُدمج الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في مخططات التنمية الجهوية وضعف آليات المواكبة والتقييم كثير من المشاريع تنطلق دون مواكبة تقنية مستمرة ودون آليات قياس الأثر.
التبعية لمنطق المشاريع قصيرة المدى :فالاعتماد على دورات تمويل قصيرة يحول دون بناء مؤسسات متينة ومستدامة.
السؤال الثالث:
الاستاذ السوهير :راكمتم تجربة في الاقتصاد التضامني والاجتماعي وباحتكاكم وتعاملكم الشبه اليومي معه القوانين المؤطرة هل ترون أن المغرب في حاجة إلى أطر تشريعية وتنظيمية أكثر فاعلية؟
نعم، وبشكل عاجل، صحيح أن المغرب أنجز خطوات تشريعية مهمة، كالقانون رقم 112.12 المتعلق بالتعاونيات، والقانون 15-06 المنظم للجمعيات غير أن هذه القوانين تبقى قاصرة أمام اكراهات الواقع. خاصة و أن المغرب يتوفر على 65448 تعاونية توفر اكثر من 750 000 الف منصب شغل.
ما ينقص المنظومة التشريعية:
تأخر صدور قانون إطار شامل للاقتصاد الاجتماعي والتضامني يُوحّد المفاهيم ويُحدد الأدوار ويُرسي حكامة واضحة، على غرار القانون الفرنسي الصادر سنة 2014 أو التجربة الإسبانية وغيرها.
غياب نظام للصفقات محفز و مشجع لا توجد آليات تُلزم الدولة والجماعات الترابية بتخصيص نسبة من صفقاتها للتعاونيات.
ضعف الاعتراف بالتمويل التشاركي: التأخر في تأطير التمويل الجماعي (Crowdfunding) والمالية الاجتماعية يُضيّق قنوات التمويل البديلة رغم وجود مرخرا بعض المنصات على الرقمية الا انها تبقى محدودة .
الدستور المغربي لسنة 2011 أرسى أسساً واعدة، لكن تحويلها إلى سياسات عملية واخراج نصوص تنظيمية لا يزال يسير بخطى بطيئة جدا.
السؤال الرابع: كيف نفسر ضعف الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في النسيج الاقتصادي الوطني؟
هذا الضعف ليس قدراً، بل هو نتاج عوامل بنيوية متراكمة يمكن تشخيصها كما يلي:
*إشكالية النموذج الاقتصادي السائد حيث ظل المغرب تاريخياً يُراهن على المشاريع الكبرى والاستثمار الأجنبي المباشر محوراً للنمو، مع تهميش ضمني للاقتصاد الاجتماعي والتضامني الذي كان يُنظر إليه كقطاع ثانوي أو خيري لا كمحرك فعلي للتنمية.
* ضعف الترابط مع الاقتصاد الرسمي:فكثير من هياكل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني تشتغل في دوائر مغلقة بعيداً عن سلاسل القيمة الوطنية وعن شبكات التوزيع الكبرى، مما يُحدّ من تأثيرها الاقتصادي المُضاعِف.
*أزمة الحكامة الداخلية :الديمقراطية الداخلية في التعاونيات كثيراً ما تتحول إلى نزاعات أو هيمنة فردية، وهو ما يُقلص الكفاءة ويُنفّر المنخرطين المحتملين غالبية التعاونيات ذات طابع عائلي.
السؤال الخامس:
أخيرا كيف تقيمون أدوار المجتمع المدني المغربي في تثمين الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
يحتل المجتمع المدني موقعاً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه، حيث تصل عدد الجمعيات في المغرب الى اكثر من من 160 الف جمعية وتتوزع أدواره على عدة مستويات:
أولاً: دور التأطير والمواكبة: يمكن للجمعيات المتخصصة تقديم دعم تقني مستمر للتعاونيات والمقاولات الاجتماعية في مجالات التسيير والمحاسبة والتسويق والرقمنة، بما يُعوّض غياب الدولة أو ضعف حضورها.
ثانياً: دور الضغط والمرافعة المجتمع المدني في وضع مثالي لممارسة ضغط منظم ومستنير على المشرّع من أجل إصلاح الإطار القانوني وتوسيع الحوافز الجبائية وإلزام الجماعات الترابية بدمج الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في مخططاتها العملية.
ثالثاً: دور بناء الشبكات والتضامن الأفقي : تشكيل شبكات تضامنية بين الهياكل المختلفة: الجمعيات والتعاونيات والمقاولات الاجتماعية، لتبادل الكفاءات والخبرات وفرص الشراكات، على غرار ما تفعله شبكات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في بعض الدول المتقدمة فرنسا، كندا
رابعاً: دور التعبئة والتحسيسنشر ثقافة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في الوسط المدرسي والجامعي والمهني، ودعم الأبحاث والدراسات التي تُوثّق التجارب الناجحة وتفتح نقاشات عمومية.
كلمتكم الاخيرة أستاذ:
ختاما يمكن القول إن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ليس خيارا أوً ترفا فكرياً، بل ضرورة استراتيجية لمغرب يسعى إلى تنمية شاملة ومنصفة، لكن تحقيق هذا الإمكان يستلزم إرادة سياسية حقيقية، وإصلاحاً تشريعياً جريئاً، ومجتمعاً مدنياً فاعلاً ومنظّما وقويا تفعيلا لما جاء في النموذج التنموي الجديد و هووصول هذا الاقتصاد إلى تحقيق 6 % من الناتج الداخلي الخام و توفير فرص عمل اضافية للشباب
|
|