محمد جرو/الطنطان

"الشتا تاتاتا… أوليدات الحرّاثة.. آلمعلم بوزكري… طيب لي خبزي بكري… باش نعشي وليداتي… وليداتي عند القاضي… والقاضي ما جاب خبار»ترنيمة ونوسطالجيا تربطنا بالخبز وزمنه المفقود ..ومع حكومة أخنوش ،وانتشار "لفراقشية"في كل المجالات ،وصلت أياديهم إلى دقيقنا/خبزنا ،فأكلنا "كرطونا"بشهادة أحد البرلمانيين ، وصغر حجم "الخبزة"التي أصبحت "خبيزة"حتى أصبحنا نغني أكثر رائعة محمود درويش -مارسيل خليفة ،أحن إلى خبز أمي في كل وقت وحين ..

قبل الخبز ،هناك الأهم وهو البذور،قمح أو ذرة أوشعير ،لذلك فالمغربي من زمان أمره لصيق بالشتاء وبموسم هطول الأمطار ،والأساسي في هذا المعشوق هو أنه وحين يراد مدح فتاة وذكر نقائها، يخرج التعبير الشعبي قائلا:"الله يعطيك خبزة مْغَمضة ما شافوها عِينين ما عجْنوها يْدِّين "بالمقابل قد يحدث أن يرفض عريسا خطبة عروس إذا سمع من "الخطابات" أنها "مكتعرفش تعجن"إلى جانب طبعا الطبخ...

والخبز بالمغرب وعشقه ،يعودان إلى جائحة "عام البون"أو "بوهيوف"وبمصطلح أكثر دلالة "عام جوع"لذلك أصبحت هذه الكسرة "تعبد"بحيث يوصفها المغاربة بالصحراء المغربية وخارجها "بنعمة مولانا" ،وتجد المارة عندما يصادفون "گشرة"بالشارع أو الزقاق ،يقبلونها ويضعونها جانبا حتى لاتدهسها الأرجل ..

علاقتنا الحميمة بالخبز وصل للصحف العالمية،ففي عام 2024، نشرت صحيفة "الباييس "الإسبانية تقريرا عن استهلاك المغاربة لهذه المادة الحيوية، وجاء فيه أن المملكة تستهلك فيها يوميا 105 ملايين خبزة، بمعدل ثلاث وحدات للفرد، وهو رقم يضع المغرب بين أكثر شعوب العالم استهلاكا للخبز الذي هو في المخيال المغربي ليس مجرد غذاء يومي، بل هو هوية وموروث ولغة، ورغم صعوبة تحديد التاريخ الدقيق لظهور الخبز ضمن العادات الغذائية المغربية، إلا أن المؤرخين يجمعون على أن الأمر كان نتاج تلاقح حضارات متعددة عرفتها المنطقة منذ أزمنة ما قبل التاريخ.

تنوع الخبز منذ القدم في المغرب يدل على عراقة الحضارة المغربية و غناها،الخبز المغربي ذكر في العصر الاندلسي في كتب الطبيخ القديمة في العصر الاندلسي المغربي ،و قد ذكر "خبز الدار"و خبز فران "الحومة "الذي ترسل أو تبعث إليه الأطباق كي تطهى فيه مثل الشواء و الضلعة معمرة.. وقد ورد في كتاب "فضالة الخوان في طيبات الطعام و الألوان" و كتاب الطبيخ في المغرب و الأندلس... 

*تعددت التسميات والأنواع ،والعشق واحد ..

في المناطق الأمازيغية ،هناك "أغروم"وخبز "تافرنوت"الذي يطهى على حجر ،وفي فرن من الطين ،كذلك ببعض المناطق الصحراوية المغربية ..

أيضا نجد خبز الفطير و خبز الرباطي وخبز امغصوبي و خبز امضلع و خبز البطبوط وخبز اراخسيس وخبز الفراح أي خبز طاجين وخبز المحراش و الخبز الكامل وخبز الذرة و خبز الشعير و خبز بوفقوص وخبز القراشل و خبز الݣرص و خبز الرݣاݣ و وخبز الأعشاب و الخبز المحشي و الحرفي و خبز الطابع وخبز أومثين وخبز المطلوع و خبز الرݣعة وخبز المقلة وخبز السميد و خبز النخالة وخبز الدقيق الأبيض وخبز القمح و خبز إيلان و الخبز الصغير و الكبير و خبز المخبزات المغربية ...

كان لمجتمع العقود الأخيرة من القرن العشرين (على الأقل) علاقة مميزة بالخبز؛ خبز الدار. كانت أمهاتنا وجداتنا وخالاتنا وعماتنا وجاراتنا لا يلجأن لما نعت ب " خبز الزنقة" إلا عند الحاجة وفي حالات استثنائية.الخبزة تفرض حضورها في اللغة وفي المخيال وفي السلوك اليومي، فمنذ الصباح الباكر، يخرج المغربي إلى عمله ويُقال عنه: "مْشَا يْصَوَّر طرف ديَال الخبز"، أي أنه يمضي في رحلة البحث عن لقمة العيش، وإذا كان ماكرا ومناورا، ينعت بالقول: "هذاك بْخبيزتو"، أما إذا كان طيب القلب حسن النية يقال عنه: "خبز ربي فطبگو"، وكل شخص يرونه ودود بوالديه، يُطلقون عليه: "خبزة كاملة".

أما المحتج الغاضب الذي يرفع صوته، فيحلو للكثيرين الإشارة إليه ب: "شبع خبز"، بل أن الراحل إدريس البصري نعت المحتجين ضحايا انتفاضَة 1981، بشهداء “الكوميرا”، على إثر خروجهم في احتجاجٍ ضدَّ غلاء المعيشة، أسفرَ عنْ مقتل 66 شخصًا .، هذه العلاقة الحميمة بالخبز تترجمها طقوس الإحترام اليومية، حيث لا يُلقى الخبز مع القمامة، بل يُفرد له كيس خاص، وإذا وجد المغربي قطعة خبز في الطريق، فإنه يقبلها ويضعها جانبا بخشوع، خشية أن تتحول النعمة إلى لعنة، ولأن اللغة مرآة المجتمع، صارت الإستعارات الشعبية محملة بالخبز، فإذا كان شخص ما مشكوكا فيه قيل عنه: "فكرشو العجينة"، وإذا خان الناس وغدر بهم ثم وقع في ورطة قالوا: "الخبز كيوقف فالركابي".

وكما يُختصر العناء اليومي في جملة واحدة، تخرج العبارة الشعبية الصريحة: "الخبز صعيب"،بل إن واحد من أساتذتنا الأجانب بمعهد الشبيبة والرياضة بوجدة (أستاذ البيداغوجيا وعلم النفس التربوي وكرة اليد) ،وهو مصري "تبلد " وبدارجته ذات اللكنة المزدوجة ،كان يصف تكويننا في أفق تشغيلنا بعد التخرج "بالخبزة المعلقة" ،وحتى المتسولون استلهموا من الخبز وسيلة لإثارة تعاطف المارة، فيقولون: "خبيزة لله" أو "ثمن خبيزة الله يرحم الوالدين" ، ما يدل على أن الخبز ليس مجرد مادة، بل قيمة رمزية تختزل الحاجة والعوز، وفي الأمثال الشعبية يقال: بناتنا الخبز والملح" وهو تعبير عميق الدلالة على الثقة والعشرة والوفاء، وتلخيص تجربة الناس مع تقلب الأحوال والمواقف أو غدر الأصدقاء أو الجيران أو الأزواج أو الشركاء، والمثير أن هذا المثل يقتصر على مفردتي "الخبز والملح" تحديدا، حتى لو جمعت بين الأطراف أطعمة أخرى أو نِعم متعددة.

كان الخبز في أغلبية المنازل صناعة يدوية نسائية شبه حصرية عند ربة البيت ومهارة خاصة تورثها الأم لابنتها، وضرورة طبيعية وبديهية داخل كل البيوت. لم تكن المرأة حاملة لهذه الصفة بشكل كامل ومكتمل الا لأنها " تاتعرف تعجن". كان جهل المرأة، بله الفتاة المقبلة على الزواج لفن الطبخ والعجين منقصة ومدعاة للسخرية والذم.

في المشترك الشعبي في العقود الأخيرة من القرن العشرين ( على الأقل)، لا مناص من التمكن من مهارة " العجين" و "العجينة"، وإلا صارت المرأة معرضة لأنواع من سوء الفهم، مما يجعل "الناس" يفسرون ابتعاد "العرسان والخطاب" عنها بهذا السبب.

نوسطالجيانا مع "لخبز بالحسانية ،وأغروم بالأمازيغية ولخوبز بالدارجة المغربية ،بدأت عندما كنا نحضر بعضا من مراحل إعداده داخل بيوتنا ،فأمهاتنا وأخواتنا وغيرهم ،يحضرن " خبز الدار" بمختلف مراحل العجين من وضع "القصرية" وتحضير الطحين و" الماء الساخن" إلى أن " يخمر" الخبز " المكرص" فوق "الوصلة" ونذهب به الى "الفران" ،وطبعا لن نتحدث هنا "مول لفران" والطراح اللذان يعتبران من شخوص الحي المحترمين إلى جانب "كسال "الحمام ،ونتعجب كيف يقوم بترتيب خبز حي بكامله ،ويعرف كم من خبزة وگرصة في كل وصلة أو طبگ .. شأن الخبز في المناسبات الكبرى يترفع أكثر ويصبح ذا مكانة عالية ،ويتحول عجن الخبز إلى شبه مهرجان وهذا هو لب العلاقات الإنسانية التي بدأت تختفي ،فمن "الگصاعي" أو "القصريات"،أو الطبگ "ولوصالي "حيث يتطلب عجن عشرات أو مئات الخبزات تعاون حثيث بين نساء الحفل وتقسيما للأدوار والمهام.

في مناسبات الأعياد وحفلات الختان والأعراس، يكون للخبز مذاق آخر محبب وجميل. تستعمل توابل مغربية داخل أو فوق العجين من قبيل "جنجلان أو النافع" بحيث يكسر روتين طعم الخبز العادي ،لأنه يهيء لمناسبة لذلك فهو شهي أكثر ومزين بتلك التوابل ..وهو استثنائي قد يدوم طريا يومين أو ثلاثة،لأنه ممتع ومستقل وقد نأكله "حافيا " أو "حرفي" الذي أحبته أجيال من المغاربة، أكلته بكل حب ورضا بين الوجبات أو قبلها أو لسد الرمق و"قتل" الجوع،وفيه نوع من القناعة الغريبة التي يعبر عنها المغربي ،ب"ناكل غير لخبز حافي أو وأتاي وزيت"كافي ،في إشارة لحصول هذه القناعة دون البحث في "شبع"مذل..

كنا نسمع آباءنا ينعتون الخبز ب النعمة".. إنه نعمة من الله تعالى تستوجب الإحترام، سواء كان عبارة عن خبزة كاملة أو شدق صغير،وهذه تربية أيضا غابت في زماننا هذا ،الخبز هو استمرارية للإيمان بالله بأشكال أخرى. 

من تمثلات أو حب الخبز ،لدينا ونحن أطفالا نربط علاقة عجيبة بالخبزة الصغيرة: " الگرصة". كان ثمنها زهيدا، وأحيانا بالمجان ولكنها لدى الوالدة معززة ،وقد تهيء للطفل المدلل ،وأحيانا يتم اقتسامها مع الأصدقاء والمرافقين. كان لأكل خبز " الگرصة" الصغيرة متعة مميزة خاصة عندما تكون ساخنة ورطبة وذات رائحة عطرة، بحيث تطفئ نار جوعنا الذي يلتهب في بطوننا بعد ساعات من اللعب ...

في أوج سنوات الجفاف اضطرت آلاف الأسر المغربية لشراء " طحين السوق" من أجل عجن الخبز. توارث المغاربة خبز القمح والشعير، لكن الحاجة اضطرتهم لاستعمال " الدگيگ الأبيض" المستورد من فرنسا وأمريكا والناجم عن أنواع دخيلة وغريبة عن القمح المغربي،وهنا بدأت علاقاتنا بخبزنا تتغير وترتبك ،ودخلت السياسة على خطه ،أو هذا كان إحساسنا اليساري الذي يفسر كل شيء ب"فيه إن "فاضطرت أمهاتنا إلى عجن "الطحين الأبيض" أو خلطه بما تبقى من دقيق القمح المحلي. كانت بداية الثمانينيات سنوات قحط وجفاف جعلت الخبز الأبيض يتمدد ويتوسع استعماله جنبا إلى جنب الخبز المغربي من القمح أو الشعير،اللذان أصبحا امتيازا وحضوة ..

ولأن الطفل "فأر"تجارب أو هو عجينة يمكن أن تصنع منها ماشأت ،جرب " خبز الفورص" والذي بدأ الإستأناس به ،واستحسنه ذلك الجيل ،وهي بداية التحول ،لبياضه وليونة قضمه عندما يكون ساخنا،وربما يتذكر جيلنا السياسي منه طبعا ،تلك "المساعدات "الأمرريكية" USAID التي منها "الفورص " في خناشي غير التي ألفنا ،سرعان مااكتشفت الأمهات أنه عندما يبرد يصبح صلبا ولا تنفع معه زبدة ولا عسل ولا سمن ولا زيت الزيتون. تلجؤ أمهاتنا إلى إعادة تسخينه لعل وعسى يصبح قابلا للمضغ والقضم،وهو إشارة ربما رمزية إلى أننا وأجسادنا وعاداتنا ،عصية على قبول سلس لكل "دخيل"..حتى أنه بحمولة سياسية ،يطلق مثل "خبز الدار ياكلو لبراني "في إشارة لضرورة أن خبزنا لايجب أن يأكله غيرنا ،وطبعا رمز الخبز هنا قد تكون عروس ،أو صفقة أو خير ...

من عاداتنا التي اندثرت تقريبا ،هو تحلقنا حول المائدة عند كل وجبة، كان الوالدان يحرصان على توزيع ما تبقى من خبز البارح قبل الشروع في "تدشين" خبز اليوم الساخن الجديد الذي جلب للتو من الفران، كان هذا الطقس أو القاعدة تواجه باحتجاجنا الصامت في الغالب ،أمام هبة الوالد وسيطرته التربوية والأخلاقية ،بحيث نفضل الخبز "سخون" على الخبز " البايت" الذي يبدو ثقيلا ،ولكننا لم نكن نجرؤ..

 ولم تكن بقايا الخبز "البايت" ترمى أو تضيع ،بل يتم التصدق بها على " المساكين" الذين يجولون الأزقة والشوارع طلبا " للخبز الكارم". يأخذون ما تيسر منه، مع سيل من الدعوات بالصحة والعافية والرزق والترحم على الموتى من الأهل والأقارب،فيما مع صعوبة الخبز / المعيشة ،بدأت بعض النسوة يجمعنه إما ليباع بالكيلو أو غيره ، أو يستخدمنه لإطعام حيواناتهم الأليفة أو يستخدم في مأكولات أخرى عند الحاجة..

كل ذلك أصبح من زمن مضى ،بدأ كل شيء فينا يضمحل و،انسلت طقوس وعادات وسلوكيات ،لكن خبز الدار،وكلما يتعلق بزمن يرفض الإندثار فينا ،ليستمر فينا وينتفض كلما حللنا وارتحلنا لأمكنته خاصة مع وجود الوالدين أو بعض الأقارب هناك بهوامش الوطن من خلال مداشره وقراه..التي نفر ونلجأ لها بين الفينة والأخرى ..