زايد جرو -الرشيدية /جديد انفو

لم تكن تلك النعال المبعثرة على الشاطئ بالشمال المغربي مجرد أحذية تركها أصحابها وراءهم ليستريح القدم  بل كانت شهادات صامتة على ليلة فقد فيها كثير من الشباب آخر ما يربطهم بالأرض، فكل'  فردة حذاء ' تحكي قصة  ركض نحو البحر، لا  لعشق المجهول فحسب ، بل لضيقها بالتهميش وانسداد الأفق.

في تلك الليلة، لم يكن البحر مجرد ماء بل صار وجعا ومحكمة قاسية بين وطن لم يعد يتسع للأحلام ، وضفة أخرى قد قد تشكل فرص النجاح والنجاة ... تركوا نعالهم على الرمل، وحملوا معهم أنين الأمهات، ودموع الآباء، وذكريات الأزقة التي ولدوا فيها.

لا أحد يهرب من وطنه، أو يفر من حضن أمه إلى أمواج المجهول ، إلا عندما يشعر أن كرامته تضيق، وأن مستقبله يُسرق منه يوما بعد يوم، هجرة  علنية وليست مغامرة رومانسية، بل صرخة اجتماعية مدوية، ورسالة مؤلمة بأن هناك شيئا عميقاً يحتاج للكثير من الإصلاح.

الأحذية المتروكة كانت أبلغ من آلاف الخطابات تبوح بأن شبابا كاملا لم يجد مكانه في وطنه، فاختار أن يراهن على البحر، رغم أنه يعرف أن الهلاك قد يكون أقرب إليه من اليابسة، وأن الغرق احتمال يساوي النجاة.

إن ما حدث يفرض أسئلة مؤلمة على الجميع: كيف يصل شباب في عمر الأمل إلى قناعة بأن المجهول أرحم من الواقع؟ وكيف تتحول التنمية إلى وعود مؤجلة، بينما تتسع هوة الإحساس بالتهميش وانعدام الفرص؟.

إن معالجة هذه المأساة تتطلب نقاشا مسؤولا بعيدا عن التعميم أو التخوين، فالمغرب يضم أيضا كثيرا من المواطنين والمسؤولين والجمعيات الذين يعملون بجد لتحسين الأوضاع، لكن استمرار محاولات الهجرة الجماعية يكشف أن تحديات البطالة، والفوارق الاجتماعية والمجالية، والشعور بالحكٓرة لدى فئات من الشباب، ما تزال قضايا ملحة تستوجب حلولاً عملية تعيد للإنسان ثقته في المستقبل.

لقد بقيت النعال على الشاطئ... أما أصحابها فقد ابتلعهم الأفق، وبين الرمل والموج ظل سؤال واحد معلقا: كم يلزم الوطن من عدالة وكرامة وأمل، حتى لا يضطر أبناؤه مستقبلا إلى خلع أحذيتهم او الكشف عن سوآتهم والركض نحو بحر لا يرحم؟.