زايد جرو - الرشيدية /جديد انفو

بزاكورة، لا يقاس الزمن بالتقويم المألوف تاريخيا ، بل بمواسم النخيل والمنتوجات المجالية، فحين تشتد حرارة الصيف حتى تكاد الأرض تلامس وهج السماء، تبدأ النخلة في البوح بأولى أسرارها، وتمنح الواحات باكورة التمر، وكأنها تكافئ الإنسان على عام كامل من الصبر والعناية والانتظار.

هذا العام، عجلت الحرارة المفرطة بنضج الأصناف المبكرة، فاستفاقت الواحات على لون فريد هو خليط من الخضرة والصفرة يزين العراجين، وعلى فرحة قديمة تتجدد بقلوب الفلاحين. فرغم قساوة القيظ، وخشونة الأيادي التي صنعتها السنين، ورغم التعب الذي يسكن تفاصيل الحياة الواحية، فإن لحظة قطف أولى التمار تمحو الإرهاق كله، وتمنح الفلاح ابتسامة لا يعرف سرها إلا من عاش بين النخيل، حيث تتحول كل تمرة إلى حكاية وكل حكاية الى عشق وطيد بين الإنسان والأرض.

إنها فرحة لا تعادلها غيرها، ولا يشعر بعمقها إلا أبناء الجنوب الشرقي، الذين يرون في بداية موسم التمور عيدا طبيعيا تتعطر به الواحات، وتنبض به الأسواق، وتستعيد القصور بالواحات شيئاً من حركيتها وذاكرتها الجماعية.

 البدايات تدخل التمور الأسواق محتشمة و بخجل، فتكون قليلة الكمية وعالية الثمن، لأن الباكورة او ' البكرية 'دائماً لها قيمتها ورمزيتها. لكن الأيام سرعان ما تفيض بخير النخيل، فتزداد الكميات، وتنخفض الأسعار، ويصبح التمر ضيفا كريما على موائد المغاربة جميعاً.

غير أن هذا الفرح يبقى هشا أمام شبح الحرائق، ذلك العدو الصامت الذي يلتهم في ساعات ما صنعته سنوات طويلة من الكد والعطاء. لذلك فإن حماية الواحات ليست مسؤولية السلطات وحدها، ولا الفلاحين وحدهم، بل هي مسؤولية مجتمع بأكمله. فكل نخلة تنجو من النار تعني موسما جديدا ، ورزقا أوفر، وأسعارا أكثر استقرارا، ومستقبلا أكثر أمنا لهذا التراث الإنساني الفريد.

ومن قلب زاكورة، ترتفع دعوة صادقة إلى المغاربة: اجعلوا التمر المغربي خياركم الأول. فهو ليس مجرد منتوج فلاحي، بل ثمرة أرض مباركة، وسواعد أنهكها القيظ، وواحات تقاوم الجفاف والزحف والتغيرات المناخية لتبقى خضراء. وهو أيضاً منتوج مجالي أصيل، تشتهر به الضيعات التقليدية التي ما تزال تحافظ على أساليب إنتاج طبيعية، تمنحه جودة استثنائية ومذاقا لا تخطئه الذاكرة.

كل تمرة مغربية نقتنيها هي دعم لفلاح بسيط، وسند لواحة تكافح من أجل الحياة، وحماية لذاكرة عمرها قرون. 

فالنخلة ليست مجرد شجرة، إنها أم الواحات، وحارسة المكان، وعنوان الصمود في أرض تعلمت أن تصنع من الشمس حياة، ومن القيظ موسماً للأمل.