ابو ريان -الرشيدية /جديد انفو
قلما تجتمع في المشهد السياسي والإداري المغربي في شخصية: واحدة موهبة الرؤية الاستراتيجية البعيدة المدى، وقدرة التنفيذ الميداني الصارم، وفن التحالف مع المنتخبين، والفاعلين المحليين. غير أن ما يشهده إقليم الرشيدية اليوم، في خضم الدينامية التنموية غير المسبوقة التي يعرفها، يجعل من والي جهة درعة تافيلالت السيد السعيد زنيبر نموذجاً استثنائياً يستحق الدراسة والتأمل العميق.
فمنذ تسلّمه مقاليد تسيير هذه الجهة الشاسعة، الممتدة من سفوح الأطلس الكبير إلى رمال الصحراء، لم يكتفِ هذا الرجل بتدبير الشأن الإداري اليومي، بل انكبّ بعزم راسخ على صياغة مشروع مجتمعي متكامل، تتشابك فيه خيوط السياحة، والتعدين، والتعليم، والمال والأعمال، والصناعة، والبنية التحتية في نسيج تنموي متجانس ومتماسك.
هذا التحقيق الصحفي يروم الكشف عن أبعاد هذه الثورة الهادئة، وتشريح مرتكزاتها، وقراءة مآلاتها في أفق تحويل إقليم الرشيدية من ربوع مغرب عميق متعطش للتنمية إلى قطب جهوي لامع ينبض بالحياة الاقتصادية والأمل الاجتماعي.
أولاً: السياحة.. حين تتحول الأرقام إلى إنجاز وطني.
لم يكن بوسع أحد، حتى وقت قريب، أن يتخيل أن جهة درعة تافيلالت ستجلس بثقة في المرتبة الثالثة وطنياً في استقطاب السياح، محتلة مكانة تفوق جهات عريقة كجهة طنجة تطوان الحسيمة التي اشتُهرت تاريخياً بسواحلها الجذابة، وجهة فاس مكناس التي تختزن كنوز الحضارة الإسلامية.
بيد أن هذا المستحيل أضحى واقعاً ملموساً حين تجاوزت الأرقام عتبة ثلاثة ملايين سائح سنوياً تتوافد على ربوع الجهة، رقم يُعدّ من أكبر القفزات التنموية التي عرفها القطاع السياحي الجهوي في تاريخه الحديث.
- الخطة الاستراتيجية.. كيف صُنعت المعجزة؟
يكمن السر في المنهجية، فبدلاً من الاكتفاء بالشعارات والخطب الرنانة، انكبّ الوالي زنيبر مع فريق من المختصين في قطاع السياحة والمنتخبين المحليين على صياغة خطة استراتيجية مدروسة تقوم على ثلاثة محاور متكاملة: توظيف المؤهلات الطبيعية والحضارية والثقافية للجهة كرافعة للجذب السياحي، وتطوير البنية التحتية الاستقبالية من فنادق ومرافق ترفيهية وطرق سياحية، وتنشيط الترويج والتسويق الدولي للوجهة الجهوية، وتشجيع أرباب الفنادق والمآوي السياحية على التصريح بالعدد الحقيقي من السياح الوافدين، وتسوية الوضعية القانونية للمؤسسات السياحية...علاوة على إجراءات إدارية أخرى، ومواكبة حثيثة للمهنيين من طرف الوزارة الوصية، والوكالة الحضرية، والمركز الجهوي للاستثمار، والمنتخبين، وأطر وزارة الداخلية...
وقد ظهرت ثمار هذه الخطة جلية في مسار التحول الذي عرفه الإقليم. فجنبات سد الحسن الداخل، الذي كان حبيس وظيفته المائية، تحوّل إلى مشروع سياحي طموح يضم أكثر من خمسة فنادق مصنفة، مع تشجير لجنباته، وإنشاء شبكة من الطرق والمرافق الترفيهية، وتجهيزات لرياضات الصيد والرياضات المائية، لتتحول هذه المنطقة إلى متنفس حقيقي للسكان والزوار على حد سواء.
وفي ذات الاتجاه، تحولت المداخل الثلاثة لمدينة الرشيدية إلى أقطاب سياحية متكاملة، مع انطلاق فعلي لأشغال بناء فنادق مصنفة ذات مستوى رفيع، في خطوة تعيد رسم صورة المدينة الحضرية وتمنحها ملامح وجهة سياحية بامتياز. والشيء نفسه في مختلف مناطق الإقليم خاصة مرزوكة، وأرفود، والريصاني، وواحات أوفوس... وقد قفزت الأرقام من 400.000 سائح بجهة درعة تافيلالت إلى ما يقارب 3 ملايين سائح، مع استحواذ إقليم الرشيد على نصف عدد السياح.
ثانيا: القطاع المعدني.. استدعاء الثروة الكامنة.
تزخر أحشاء الجنوب الشرقي، وإقليم الرشيدية على وجه الخصوص بكنوز معدنية ظلت طويلاً في سبات عميق تنتظر من يوقظها ويحوّلها إلى قاطرة تنموية حقيقية. وقد آن الأوان أن تستيقظ هذه الثروة على إيقاع الرؤية الطموحة للوالي زنيبر الذي فتح هذا الورش الاستراتيجي بعزم لا يتردد.
-أيا گولد..AYA GOLD الشركة الكندية تختار الرشيدية.
الخبر الذي أثار موجة من التفاؤل في أوساط المنتخبين والفاعلين الاقتصاديين، والذي يؤشر بجلاء على نجاح سياسة الوالي في استقطاب الاستثمار الدولي، هو إقدام شركة أيا گولد الكندية العملاقة على الاستقرار بمدينة تنجداد، في خطوة تُعدّ انقلاباً حقيقياً في الخارطة الاستثمارية للإقليم.
هذه الشركة التي تحمل معها تكنولوجيا متطورة وخبرة عالمية متراكمة، لن تكتفي بانتزاع الثروة المعدنية من التربة، بل ستُشغّل أكثر من ألف يد عاملة محلية، مما يعني بلغة الاقتصاد الاجتماعي توليد دخل مباشر لآلاف الأسر وإطلاق دينامية اقتصادية تتمدد في دوائر متسعة عبر سلاسل التوريد والخدمات المرافقة.
لكن أيا كولد ليست وحدها على الموعد. فقد استطاع الوالي استقطاب شركات عملاقة أخرى ذات صيت عالمي في قطاع التعدين والمعادن، في ما يشبه حشد جيش من الاستثمارات الخارجية لغزو ثروات الإقليم، وتحويلها إلى قيمة مضافة تنعكس مباشرة على مستوى عيش السكان.
-القطاع المعدني: من هامش الاهتمام إلى مركز الرهانات.
ما تشهده الرشيدية في هذا الملف هو ثورة في المنطق التنموي قبل أن تكون ثورة في الأرقام. فتحويل القطاع المعدني إلى رافعة تنموية حقيقية يستلزم تحولاً جذرياً في رؤية الإقليم لذاته ولمؤهلاته، وهو ما ترجمه الوالي بكل وضوح من خلال فتح هذا الورش الاستراتيجي، وإدارته بمنطق المشروع المندمج لا المبادرة الظرفية المعزولة.
ثالثاً: الرهان الجامعي.. العلم بوابة المستقبل.
يحتل التعليم العالي والبحث العلمي في أي مشروع تنموي ناضج وبعيد النظر مكانة محورية لا تقبل الاستبدال، ذلك أن الاستثمار في الرأسمال البشري هو الاستثمار الأكثر مردودية على المدى البعيد، وهو ما أدركه الوالي زنيبر مبكراً فجعل من الورش الجامعي أحد أعمدة رؤيته التنموية الشاملة.
-الترافع من أجل الجامعة المستقلة.
لم يقف الوالي مكتوف الأيدي أمام تطلعات ساكنة الجهة المشروعة في الاستفادة من مؤسسة جامعية مستقلة تعكس الثقل الديموغرافي والجغرافي لجهة درعة تافيلالت، بل انخرط في ترافع دؤوب ومستمر على أعلى المستويات من أجل انتزاع الاعتراف بجامعة مستقلة للجهة، مسلحاً بالحجج الدامغة والأرقام المقنعة.
وفي إطار تهيئة الأرضية اللازمة لهذا المشروع الطموح، سارع الوالي إلى تأمين الأراضي الضرورية للقطب الجامعي، وتوفير المساعدات المادية واللوجستية الكفيلة بانطلاق الورش في ظروف ملائمة، في إشارة واضحة إلى أن المسار الجامعي ليس مجرد حلم بعيد بل مشروع يسير على أرض صلبة وفق خطة زمنية محددة.
وقد وافق المجلس الحكومي الأخير على تقسيم الكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية إلى خمس مؤسسات جامعية، كما تم تقسيم الكلية المتعددة التخصصات بورززات إلى أربع مؤسسات جامعية، علاوة على كلية العلوم والتقنيات القائمة منذ عقود، وكلية الطب، والمستشفى الجامعي، ومدينة الكفاءات والمهن، والحي الجامعي الجديد...وهو ما يعني دون شك دنو الإعلان على جامعة مولاي علي الشريف بجهة درعة تافيلالت التي ستكون مدخلا حقيقيا للتنمية الشاملة والمندمجة.
وتزداد قيمة هذا الاختيار التنموي عمقاً حين ندرك أن القطب الجامعي سيستنبت في حي جديد ستتكفل مؤسسة العمران بإنشائه بطريق مكناس، وسيضم قطعا أرضية للفيلات، لتمكين أساتذة الطب، ومختلف الأطر العليا من الاستقرار، وتحقيق مزيد من الجاذبية للمدينة. ناهيك عن قطب تجاري كبير يضم متجر كارفور الشهير، مما يعني خلق نظام بيئي متكامل يمزج بين العلم والتجارة والحياة الجامعية في فضاء عمراني متجانس وجاذب.
رابعاً: القطب المالي... قلب يضخ دماء الاستثمار.
لا يمكن لأي مشروع تنموي طموح أن يتجذر ويثمر دون شرايين مالية سليمة وفعّالة. وهذه الحقيقة البسيطة هي التي دفعت الوالي زنيبر إلى جعل تأسيس قطب مالي متكامل في الرشيدية أحد أولوياته الاستراتيجية. المشروع يتجاوز في أهدافه وأبعاده مجرد إنشاء فروع بنكية. فالقطب المالي المبرمج على مساحة خمسة عشر هكتاراً يروم خلق منظومة مالية متكاملة تستوعب فروعاً جهوية للأبناك الكبرى، مع المؤسسات والهيئات المالية المتخصصة التي تُيسّر الولوج إلى التمويل وتُحفّز روح المبادرة الاقتصادية.
وفي مؤشر دال على جدية المسار وحتمية التنفيذ، انطلقت فعلياً أشغال بناء فرع بنك المغرب بالإقليم، وهو مشروع بالغ الرمزية لأن بنك المغرب لا يفتح فروعه إلا في المدن التي تحمل مؤشرات اقتصادية إيجابية وواعدة. كما تمّ استنبات الفروع الجهوية للعديد من الأبناك لتشكيل شبكة مالية كثيفة تُدعم مسار الاستثمار وتُشجع الادخار وتُحفّز روح المبادرة.
خامساً: المنطقة الصناعية.. بناء اقتصاد منتج.
إذا كانت السياحة والتعدين والخدمات المالية ركائز مهمة في بناء الاقتصاد الجهوي، فإن الصناعة تبقى العمود الفقري الذي لا غنى عنه لأي تنمية مستدامة وحقيقية. من هذا المنطلق، جاء قرار إنشاء منطقة صناعية في تاردة استجابةً لمقتضيات التنويع الاقتصادي والتشغيل.
-تاردة: مدينة صناعية في طور التشكّل.
المنطقة الصناعية بتاردة لن تكون مجرد تجمع عشوائي للمصانع والورشات. بل ستكون فضاء اقتصادياً منظماً يأوي صناعات متنوعة ومتكاملة في طليعتها شركات الإسمنت التي ستجد في الإقليم المواد الأولية والسوق الاستهلاكية معاً، ثم شركات تثمين التمور التي تحول هذه الثروة النباتية إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية تنافس في الأسواق الدولية.
ولم يُغفل الوالي زنيبر في رؤيته المنطقة الصناعية الشاملة عن ملف مخلفات النخيل، إذ يُشكّل هذا القطاع فرصة استثمارية ضائعة تستحق الاستثمار والتثمين من خلال الصناعات الخضراء والمنتجات البيولوجية المتجددة. كما تقرر تحويل موزعي الغاز إلى هذه المنطقة الصناعية، في خطوة تُنظّم هذا القطاع الحيوي وتُحسّن معايير السلامة والجودة.
وتُكمل هذه المنظومة الصناعية عشرات الشركات التي حصلت بالفعل على تراخيصها وقطعها الأرضية لإطلاق مشاريعها، مما يعني أن حركة التصنيع لم تعد مجرد نية إعلانية بل ورش مفتوح على قدم وساق.
.سادسا: القطب الثقافي بمدينة الرشيدية: استثمار حقيقي في الرأسمال البشري.
في خطوة تُعدّ الأبرز في المشهد الثقافي لجهة درعة تافيلالت منذ عقود، تتهيأ مدينة الرشيدية لاستقبال قطب ثقافي متكامل يضم ست مؤسسات موزعة على مختلف أحياء المدينة، في مبادرة رائدة تجسّد إرادة حقيقية لرسم ملامح جديدة للتنمية الثقافية بالمنطقة. وتأتي هذه المبادرة ثمرةً لشراكة مؤسسية راسخة تجمع وزارة الثقافة ومجلس جهة درعة تافيلالت وجماعة الرشيدية، تحت إشراف ورعاية والي الجهة، الذي يُحسب له الفضل في إطلاق هذا المشروع الطموح وتجميع أطرافه ودفعه نحو التجسيد الفعلي على أرض الواقع.
ويشتمل القطب على مسرح كبير بطريق كلميمة، ليكون فضاءً للإبداع المسرحي وصون الفنون الأدائية. وتُرفق به خزانة وسائطية متطورة بالقطب الجامعي على طريق مكناس، تُعزز الوصول إلى المعرفة الرقمية وتُجسّر العلاقة بين الجامعة والمجتمع. كما سيُفتح معهد للفنون على طريق كلميمة لاحتضان المواهب، وتأهيل الأجيال في مختلف الفنون، فضلاً عن رواق عرض في قلب وسط المدينة، يُتيح الفضاء للمبدعين ويُقرّب الفن من المواطن اليومي. ويُستكمل هذا الهيكل بمركز ثقافي جديد على طريق أرفود، ومركز لتأويل التراث بمحاذاة المحطة الطرقية الجديدة، حيث سيكون هذا الأخير نافذةً على الإرث الأمازيغي والصحراوي العريق لمنطقة تافيلالت
ويرى المراقبون أن هذا القطب ليس مجرد بنية تحتية، بل هو مشروع مجتمعي يُعيد للرشيدية مكانتها بوصفها عاصمةً ثقافية في قلب الجنوب الشرقي المغربي. وفي زمن تتسابق فيه المدن الكبرى على الاستثمار في الرأسمال الثقافي، تُثبت الرشيدية وشركاؤها أن الإرادة السياسية والمؤسسية الجادة كفيلة بتحويل الهامش إلى مركز إشعاع وتيتوجب الإنجاز في اقرب الاجال وهي مبادرة تستحق التثمين.
سابعا: تجارة ذات مستوى عالمي.. الرشيدية تستقبل الكبار.
في مؤشر لافت على الجاذبية الاقتصادية التي بدأ يكتسبها إقليم الرشيدية في ظل القيادة الاستراتيجية للوالي زنيبر، توافدت كبرى العلامات التجارية الدولية معربةً عن رغبتها في الاستقرار بالمدينة. شركة أتقداو، العملاقة في قطاع التجارة، ستفتح فرعاً لها هذه السنة في موقع استراتيجي بطريق كليمية، فيما سيُجاور عملاق التوزيع كارفور القطب الجامعي في علاقة تكاملية بين الثقافة والاستهلاك. ويُكمل متجر مرجان هذا المثلث التجاري الكبير بتواجده على طريق مدغرة، لتصبح الرشيدية وجهة تسوق متكاملة بمعايير دولية.
هذا التوافد التجاري ليس مجرد ترف استهلاكي، بل هو علامة صحة اقتصادية بامتياز، إذ لا تقدم هذه العلامات الكبرى على الاستثمار في مدينة ما إلا بعد دراسات جدوى دقيقة تُثبت وجود قوة شرائية كافية ومناخ استثماري ملائم، وهو ما تحققه الرشيدية بفضل الديناميكية التنموية المتسارعة التي يقودها الوالي.
ثامنا: البنية التحتية والعمران.. هيكل يحتضن النهضة
كل ما سبق ذكره من مشاريع استثمارية وأقطاب اقتصادية، لن يكتمل دون شبكة بنية تحتية متطورة تُوفر الشروط الدنيا للتنقل السلس وإمكانية التبادل الاقتصادي الفعّال. وقد استوعب الوالي زنيبر هذه المعادلة البسيطة فجعل من تطوير البنية التحتية رديفاً دائماً لكل المشاريع التنموية الكبرى.
-مشاريع الطرق والجسور.
تتصدر المشهد البنيوي عملية تثنية قنطرة وادي زيز التي تشق قلب مدينة الرشيدية، وهي مشروع تتوق إليه ساكنة المدينة منذ سنوات طويلة ويعاني بدونه حركة السير الكابوسَ اليومي. وإلى جانبها، ستُنشأ طريق سريع يربط منطقة مسكس بمدينة الرشيدية ثم يمتد بين الرشيدية وحي الأطر الدرمشان، في ربط عمراني يُيسّر حركة المواطنين ويُعزز التكامل بين أحياء المدينة.
كما يشمل المخطط توسيع الطريق الرابط بين منطقة تازوكا ومحيط المطار، وهو ممر استراتيجي لا غنى عنه لتطوير حركة التنقل الجوي والنشاط الاقتصادي المرتبط به.
القطب الإداري.. دولة في دولة.
يبدو جلياً أن الوالي لا يفصل بين التنمية الاقتصادية والتطوير المؤسسي، لذلك كان إنشاء قطب إداري ضخم يضم أكثر من اثنتين وعشرين مؤسسة إدارية قراراً استراتيجياً يروم تقريب الإدارة من المواطنين، وتوفير الخدمات العامة في مكان واحد وتحت سقف واحد، بما يُوفّر الوقت والجهد ويرفع من مستوى جودة الخدمات المقدمة.
هذا القطب الإداري المندمج سيكون بحق نبضاً مؤسسياً يجعل من الرشيدية قطباً جهوياً إدارياً بامتياز.
-الأحياء ناقصة التجهيز.. اعتراف بالمواطن.
ولعل من أكثر المبادرات التنموية حميمية وقرباً من المواطن البسيط، إطلاق ورش استكمال تجهيز الأحياء ناقصة التجهيز بمدينة الرشيدية التي يتجاوز عددها ثلاثاً وعشرين حيا. هؤلاء السكان الذين ظلوا طويلاً يعيشون على هامش التنمية العمرانية، يجدون اليوم في هذا المشروع اعترافاً رسمياً بحقهم في حياة كريمة ضمن أحياء مجهزة بالمرافق الأساسية. وهذا الاختيار ليس ترفاً تنموياً بل ضرورة اجتماعية تُكرّس مبدأ الإنصاف الترابي وتُجسّد فلسفة التنمية الشاملة التي لا تترك أحداً خلف الركب.
تاسعا: التسريع في فك العزلة عن الجهة والإقليم بإنشاء الطريق السريع: الريصاني الحاجب.
لطالما عانت جهة درعة تافيلالت من وطأة العزلة الجغرافية، إذ ظلّت مناطقها الشاسعة الممتدة بين الجبل والصحراء بعيدةً عن شبكة الطرق السريعة التي تربط باقي جهات المملكة، غير أن رياح التغيير باتت تهبّ بقوة على هذه الربوع، لتُبشّر بفجر تنموي جديد وبمستقبل أكثر إشراقاً لساكنة المنطقة. وفي خطوة تاريخية تجمع بين الإرادة السياسية والتخطيط الاستراتيجي، أعلنت شراكة ثلاثية الأطراف تضم مجلس جهة درعة تافيلالت وولاية الجهة ووزارة التجهيز والماء عن برمجة أزيد من 67 كيلومتراً من الطريق السريع خلال سنة 2026 وحدها، وهو ما يُمثّل قفزةً نوعية في مسار التنمية الإقليمية. فبعد سنوات من الانتظار والمطالبة، تتحوّل الأماني إلى مشاريع حقيقية تُرسم ملامحها على أرض الواقع. تشمل هذه البرمجة مقاطع طرقية بالغة الأهمية؛ إذ سيربط أحدها الرشيدية بمسكي على امتداد 16 كيلومتراً، فيما سيمتد مقطع آخر من الرشيدية حتى قنطرة الدرمشان بطول 6 كيلومترات، وينضاف إليهما المقطع الرابط بين أكلمام سيدي علي وتيمحضيت الذي يبلغ 23 كيلومتراً، دون أن ننسى المقطع المهم الممتد في اتجاه مكناس عبر منطقة حجيجرة. وفي أفق سنتي 2027 و2028، سيتكامل المشروع ليُشكّل شرياناً حيوياً يضخّ الحياة في أوصال هذه الجهة الفريدة.
إن لهذا المنجز دلالات تتجاوز البُعد الطرقي المحض؛ فهو يعني بالنسبة للساكنة تقليصاً جوهرياً لأوقات السفر، وفتحاً لآفاق اقتصادية واعدة في مجالات الفلاحة والسياحة والصناعة، كما يُعزّز الوحدة الترابية ويُيسّر الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية. إنه استثمارٌ في الكرامة الإنسانية قبل أن يكون استثماراً في الإسمنت والإسفلت. تستحقّ جهة درعة تافيلالت هذا الإنصاف، بما تزخر به من تراث إنساني وحضاري وموارد طبيعية استثنائية. والرهان اليوم أن يواكب هذا الإنجاز الطرقي استثماراتٌ تكميلية تُحوّل الطريق السريع إلى رافعة حقيقية للتنمية الشاملة والمستدامة لجميع أبناء الجهة.
خلاصة: ملامح القيادة التنموية الرشيدة
من يطّلع على حجم المشاريع التي تشهدها مدينة الرشيدية وجهة درعة تافيلالت في مجملها، لا بد أن يتوقف مطولاً أمام السؤال الجوهري: كيف يُنجز كل هذا في وقت واحد؟ والجواب، في عمقه، يكشف عن نهج قيادي متميز يقوم على جملة من المرتكزات المنهجية.
أول هذه المرتكزات هو الرؤية الشاملة: فالوالي زنيبر لا يتعامل مع الإقليم باعتباره مجموعة مشاكل منفصلة تستدعي حلولاً موضعية، بل يراه نظاماً متكاملاً تتشابك عناصره وتتفاعل، ولذلك تنسجم مشاريعه في ما بينها وتتكامل وتتعاضد.
والمرتكز الثاني هو الشراكة الفعلية مع المنتخبين، إذ تتجلى في مسار التنمية بالرشيدية نماذج ناجحة للتعاون بين السلطة والمنتخبين المحليين، بعيداً عن الصراعات المعيقة والتنافسات العقيمة، نحو توافق حول رؤية مشتركة وأهداف واضحة.
والمرتكز الثالث هو الانفتاح على الاستثمار الخارجي: فاستقطاب شركات عالمية كإيا كولد الكندية، وعلامات تجارية دولية كبرى، لا يتأتى إلا بمناخ استثماري موثوق يُؤمّنه الوالي بسلطته ومصداقيته وتسهيله للمساطر الإدارية المعقدة.
والمرتكز الرابع هو الموازنة بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية: فاهتمام الوالي بالأحياء ناقصة التجهيز موازاةً مع إنشاء الأقطاب الاقتصادية الكبرى يدل على حساسية اجتماعية عالية ووعي عميق بأن التنمية الحقيقية لا تُقاس بالأرقام الاقتصادية وحدها بل بمدى انعكاسها على حياة المواطن العادي.
يكتب إقليم الرشيدية اليوم، وتحت بصر والٍ يجمع بين بُعد النظر وحرارة الاهتمام وصرامة التنفيذ، فصلاً جديداً من تاريخه، فصلاً يتجاوز روايات الفقر والتهميش والهجرة إلى قصة أخرى يُحكى فيها عن مدينة قررت أن تستيقظ، وعن جهة قررت أن تأخذ مكانها اللائق في المشهد التنموي الوطني.
|
|