لحسن الجكاني -الرشيدية /جديد انفو
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا رسول الله، السيد المدير الفاضل السيد الناظر والسيد رئيس الأشغال، والسادة الحراس العامون المحترمون، زميلاتي وزملائي الأساتذة الأفاضل.. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
هي كلمات وخواطر وددت أن نفتتح بها عامنا الدراسي هذا، أرجو ان تقبلوها على علاتها، وعذري في ذلك أنها كلمات صادقة لأعز اناس وخيرة المربين والمدرسين..
أقول وبالله التوفيق، ها نحن نستقبل عاماً دراسياً جديداً نحمله بين أيدينا كبذرة أمل، وكعهد نُجدّده مع أنفسنا قبل طلابنا، أن نكون ذلك النور الذي لا تنطفئ شعلته، رغم كل ما قد يعترض طريقنا من تحديات.
أخاطبكم اليوم ليس بوصفي مسؤولاً، ولا متحدثاً رسمياً، بل كأحدكم، كأستاذ خبر عن قرب بعض هموم قاعة الدرس، وثقل المسؤولية، وصعوبة المهمة في زمنٍ اختلت فيه الموازين وتراجعت فيه الأولويات، وتغير فيه جيل التلاميذ، وتراجعت فيه مكانة الأستاذ كما يبدو للبعض.
نعم.. لقد تغير الزمن، وتغير التلاميذ، وصار الانشغال بوسائل التواصل يحتل مساحة كبيرة من اهتماماتهم، حتى باتت همسات الهواتف أحياناً تُنافس أصوتنا ونحن نشرح الدروس، نعم، قد نشتكي من تقصير هنا، أو غياب وسيلة ديداكتيكية هناك أو برامج متقادمة و غير محينة أو طويلة، أو نشتكي من غياب التحفيزٍ أو تأخر الترقيات أو التعويضات، وكلها ظروف عملٍ قد تكون مثبطة للهمم لنا جميعا إداريين وهيئة تدريس،
ولكن.. هل هذا يعني أن نتوقف؟ هل هذا مبرر لأن ننسحب من معركة البناء؟
ولذلك أذكركم وأذكر نفسي:
إنما نحن الحراس، حراس القيم في زمن التفاهة وتراجع الحياء، حراس المعرفة في زمن اكتساح الجهل المركب، حراس المستقبل في زمن يرهننا فيه بعض الحمقى لغيرنا. فمهما طال الليل، فإن شمس المعرفة لا تشرق إلا بصباح صبرنا، وإصرارنا، وإيماننا بأن لدينا رسالة لا تقبل المساومة.
لقد علمتنا التجربة أن الخير لا يزال موجوداً في عيون طلابنا، حتى بين أكثرهم تعلقاً بشاشة هاتفه، إذ لا تزال هناك نظرات تتوق للمعرفة، وعقول تنتظر من يوقظها، وقلوب تحتاج إلى من يلمسها بإخلاص واهتمام حقيقي وصادق.
زملائي الأعزاء لا ندع ظروف العمل، أو تقصير الوزارة، أو ضعف التحفيز، يسرق منا نية العطاء.. فلنجدد نياتنا، واذكر أن كل واحد منا، لو أثر في تلميذ أو تلميذة واحدة فقط، فقد نكون غيرنا الكثير في مستقبل بلادنا.
ليس المهم كم المادة والمعلومات التي نقدمها، بل القيم المضافة إليها والتي نغرسها، والقدوة التي نكونها، والأمل الذي نزرعه. لنكن ذلك الأستاذ(ة) الذي يتذكره الطلاب ليس لأنه كان الأكثر صرامة، بل لأنه كان الأكثر إيماناً بهم، والأقدر على رؤية أفضل ما فيهم.
أيها الزملاء:
إننا لا نعلّم من أجل الامتحانات فقط، بل نعلّم لِنُخرج جيلاً يحمل همّ الوطن والمواطنين، ويبني مستقبلاً يُضاء بالعلم والأخلاق.
فلنبدأ هذا العام بقلوب جديدة، ونفوس متجددة، وعزيمة لا تعرف الكلل، ولنكن كما عهدنا أنفسنا دائمًا، مصابيحَ تنير الدرب، حتى عندما تكون الرياح عاتية.
فلننسَ خلفنا كل حزازات الماضي، وخلافات الأمس، ولنفتح صفحة جديدة قوامها التعاون والتضامن، لأن مؤسستنا التعليمية لن تقوى إلا باجتماع قلوبنا، وتوحيد جهودنا، ولأن سلامة أبداننا في سلامة قلوبنا والصفح عن الناس.
تذكّروا دائمًا:
أنه لو أخطأ الطبيب، فخطؤه قد يُدفن تحت التراب، ويدفن معه سر خطئه ولو أخطأ المهندس، فخطؤه يمكن إصلاحه بهدمٍ وإعادة بناء الورش بكامله، أما أخطاؤنا نحن - في التربية والتعليم - فليس لها حفرة عميقة تخفيها، ولا مشروعٌ جديد تعوّضها.. بل قد يترك ذلك أثرًا يمتد لأجيال.
لهذا.. مهما طال بنا الطريق، ومهما تكرّرت المقررات، ومهما قلّت التحفيزات أو انعدمت، أو تأخرت الترقيات والحق في التعويضات.. فليكن إيماننا برسالتنا هو الوقود الذي يحركنا، لِنُدرك أننا لا نعلّم من أجل الامتحان فقط، بل نعلّم لِنبني إنسانًا.. نعلّم لنغرس ضميرًا.. نعلّم لأننا آخر حصنٍ بين هذا الوطن والضياع، ويكفينا بشارة النبي ﷺ حينما قال: "إنَّ اللهَ وملائكتَهُ وأهلَ السَّمَاوَاتِ والأرضينَ، حتى النَّملةَ في جُحرِها، وحتى الحوتَ في البَحْرِ، لَيُصَلُّونَ على مُعلِّمِ الناسِ الخَيْرَ"
لا نستسلم للملل، ولا نترك اليأس يتسلل إلى قلوبنا، انظروا إلى عيون تلامذتكم، تلك العيون التي تنتظر منكم الخير، وتذكّروا أنكم قد تكونون السبب في إنقاذ تلميذ(ة)من الضياع، أو توجيه عقلٍ إلى النجاح.
أيها الزملاء والزميلات:
لنكن متعاونين ومتسامحين، الكبير يستفيد من حماس الصغير، والصغير يتعلّم من حكمة و تجربة الكبير، ولنضع نُصب أعيننا أن النجاح الحقيقي هو ذلك الأثر الطيب الذي نتركه في نفوس تلامذتنا، حتى بعد أن نغادر هذه الوظيفة السامية.
أخيرًا..
كلمتي لمن قارب على التقاعد، شكرًا لكل العطاء.. أنتم رجالٌ صنعتم الأجيال، وسيخلد أثركم حتى بعد رحيلكم.
وكلمتي لمن لا يزال في بداية الطريق، تعلّموا ممن سبقكم، ولا تفقدوا الأمل.. فطريقكم طويل، إلّا أنه مُشرقٌ بوجودكم.
وكل عام وأنتم صنّاع الحياة، والله أسال أن يسعدكم دنيا وآخرة ويحفظكم من كل مكروه.
معكم بكل فخر.. مدرس يعرف قيمة ما تفعلونه، ويقف إجلالًا لتضحياتكم.